لم تبدأ واشنطن اليوم حرباً جديدة على إيران. ما بدأ اليوم هو شيء أكثر تعقيداً: محاولة خنق إيران اقتصادياً، ثم خنق كل من يساعدها على التنفس.
وزارة الخزانة ال أميركية أعلنت حزمة عقوبات جديدة، لكن قراءة القرار باعتباره مجرد قائمة أسماء وشركات وسفن تفوّت جوهر ما تفعله واشنطن.
الهدف هذه المرة ليس فقط معاقبة إيران، بل قطع الطرق التي تستخدمها للوصول إلى المال والأسواق والشحن والدولار.
كيف؟
الخطوة الأولى: ضرب إيران من حيث يأتي المال
تستهدف العقوبات الجديدة عشرات الشركات والأفراد والسفن المرتبطة بشبكات إيرانية تعمل في النفط والقطاعات النووية والصاروخية والسيبرانية.
وهذا يعني أن واشنطن لا تستهدف الحكومة الإيرانية مباشرة فقط، بل تستهدف الشبكة الاقتصادية التي تسمح لها بالحصول على الأموال وتحويلها ونقلها.
الفكرة بسيطة:
إذا كان من الصعب منع إيران من بيع النفط مباشرة، فاضرب الشركات والوسطاء والسفن التي تجعل عملية البيع ممكنة.
الخطوة الثانية: ملاحقة «الأسطول الشبح»
جزء أساسي من الخطة يتعلق بالسفن التي تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات.
تغيير أسماء السفن، تغيير أعلامها، استخدام شركات واجهة، نقل النفط من سفينة إلى أخرى، وإخفاء مسارات الشحن، كلها طرق تساعد طهران على الاستمرار في تصدير النفط.
لذلك تحاول واشنطن ضرب السلسلة كاملة، وليس ناقلة واحدة.
فالهدف ليس فقط أن تقول لإيران «لن تبيعي النفط»، بل أن تقول لكل من يساعدها:
إذا ساعدت إيران على بيع النفط، ستصبح أنت أيضاً هدفاً للعقوبات.
الخطوة الثالثة: العقوبات الثانوية
هنا تبدأ المرحلة الأخطر.
العقوبات المباشرة تستهدف إيران ومن يعمل معها.
أما العقوبات الثانوية فتستهدف الطرف الثالث الذي يتعامل مع إيران.
بمعنى آخر، الرسالة الأميركية إلى بنك أو شركة أو دولة ليست:
«نحن لا نريدكم أن تتعاملوا مع إيران».
بل:
«يمكنكم التعامل مع إيران، لكن عليكم أن تعرفوا أن الثمن قد يكون خسارة الوصول إلى النظام المالي الأميركي».
وهنا تكمن قوة واشنطن.
فالكثير من الشركات قد تستطيع التخلي عن صفقة مع إيران، لكنها لا تستطيع بسهولة التخلي عن الدولار أو النظام المصرفي الأميركي.
الخطوة الرابعة: خمسة أبواب تريد واشنطن إغلاقها
حددت وزارة الخزانة خمسة قطاعات رئيسية تريد تشديد الضغط عليها:
ال أصول الرقمية، التكنولوجيا، الذهب، الطيران والشحن البحري.
لماذا هذه القطاعات؟
لأنها توفر لإيران طرقاً للحصول على الأموال أو التكنولوجيا أو وسائل النقل أو تحويل القيمة خارج القنوات المالية التقليدية.
وبالتالي تحاول واشنطن إغلاق الممرات البديلة التي يمكن أن تستخدمها طهران عندما تُغلق أمامها القنوات المصرفية التقليدية.
الخطوة الخامسة: «لا مناطق رمادية»
هنا تتغير طبيعة الرسالة الأميركية.
واشنطن تقول للدول والشركات التي ما زالت تتعامل مع إيران: لم يعد مقبولاً الاختباء خلف المناطق الرمادية.
أي أن تقول شركة مثلاً:
«نحن لا نتعامل مع الحكومة الإيرانية، بل مع شركة خاصة».
أو أن تقول دولة:
«نحن نشتري النفط من وسيط وليس من إيران مباشرة».
المنطق الأميركي الجديد هو:
إذا كانت الأموال أو البضائع أو السفن تصل في النهاية إلى الاقتصاد الإيراني، فقد تصبح العملية هدفاً للعقوبات.
وهذا يوسّع دائرة الخطر بشكل كبير.
الخطوة السادسة: إعطاء مهلة قبل العقوبة
واشنطن لا تريد بالضرورة معاقبة الجميع فوراً.
بيسنت تحدث عن جداول زمنية محددة للدول والجهات التي حددتها واشنطن، مطالباً إياها بوقف الأنشطة التي تعتبرها داعمة لإيران.
وهذه نقطة مهمة.
فواشنطن تستخدم العقوبات الآن كـإنذار قبل أن تستخدمها كسلاح.
الرسالة:
توقفوا الآن، وإلا سنقطعكم عن النظام المالي الأميركي.
الخطوة السابعة: الصين هي الاختبار الحقيقي
كل هذا يقود إلى الصين.
لأن إيران تستطيع البحث عن مشترين ووسطاء، لكن قدرتها على بيع النفط تبقى مرتبطة بشكل كبير بالسوق الصينية.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط بين واشنطن وطهران.
إنها أيضاً معركة حول سؤال أكبر:
هل تستطيع الولايات المتحدة إجبار الدول الأخرى على الاختيار بين الاقتصاد الأميركي والاقتصاد الإيراني؟
ولهذا جاءت رسالة بيسنت شديدة الوضوح: من يساعد إيران في غسل الأموال قد يُمنع من الوصول إلى النظام القائم على الدولار.
لكن واشنطن لم تذهب بعد إلى أقصى خطوة ضد المؤسسات الصينية الكبرى.
وهذا يعني أن التهديد موجود، لكن باب التصعيد مع بكين لم يُفتح بالكامل بعد.
الخطوة الثامنة: الدولار هو السلاح الأقوى
لماذا تخشى الشركات العقوبات الأميركية؟
ليس لأن الولايات المتحدة تستطيع منعها من بيع كل شيء.
بل لأنها تستطيع جعل التعامل معها أكثر صعوبة في النظام المالي العالمي.
إذا حُرم بنك من الوصول إلى الدولار أو من التعامل مع مؤسسات مالية أميركية، فقد تصبح عملياته الدولية أكثر كلفة وتعقيداً.
لذلك عندما يقول بيسنت:
«أي جهة تساعد في غسل الأموال لإيران ستُستبعد من نظام الدولار»
فهو لا يهدد إيران وحدها.
إنه يوجه الرسالة إلى كل مصرف وشركة ووسيط حول العالم.
الخطوة التاسعة: واشنطن لا تستخدم الاقتصاد وحده
في اللحظة نفسها التي أعلنت فيها الخزانة العقوبات، جاء وزير الدفاع بيت هيغسيث ليقول إن واشنطن لا تستبعد استخدام القوة العسكرية ضد إيران أو في مضيق هرمز.
وهنا تظهر الصورة كاملة.
واشنطن تقول لطهران:
اقتصادياً سنخنقك، وعسكرياً لا نستبعد ضربك.
أي أن العقوبات ليست بالضرورة بديلاً عن القوة العسكرية.
قد تكون وسيلة لزيادة الضغط على إيران قبل العودة إلى طاولة التفاوض، أو لإجبار ها على قبول شروط أميركية أفضل.
الخطوة العاشرة: إيران تملك سلاحاً مختلفاً
المشكلة بالنسبة لطهران أن معظم أدوات الضغط الأميركية موجودة في النظام المالي العالمي، حيث تتمتع واشنطن بنفوذ هائل.
لذلك لا تستطيع إيران الرد بالمثل.
لا يمكنها فرض عقوبات على الدولار.
ولا تستطيع قطع الولايات المتحدة عن النظام المصرفي العالمي.
لكن لديها ورقة أخرى:
النفط ومضيق هرمز.
ولهذا جاء التهديد الإيراني بإيقاف صادرات النفط عبر الخليج إذا استمرت «الحرب الاقتصادية».
وهنا تصبح المعركة أكثر خطورة.
لأن إيران إذا حاولت تعطيل هرمز، فإنها لا تضرب الولايات المتحدة وحدها.
إنها تضرب سوق الطاقة العالمي.
الخطوة الحادية عشرة: لماذا هرمز هو نقطة الانفجار؟
واشنطن تستطيع أن تضغط على إيران عبر المال.
إيران تستطيع، نظرياً، أن تضغط على العالم عبر الطاقة.
وهذه هي المعادلة:
أميركا تملك سلاح الدولار. إيران تملك موقع هرمز.
الأول يضغط على الاقتصاد الإيراني.
والثاني يمكن أن يرفع تكلفة الأزمة على الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن أي انتقال إيراني من التهديد بإغلاق هرمز إلى اتخاذ إجراءات فعلية ضد السفن سيكون تصعيداً من مستوى مختلف تماماً.
الخطوة الثانية عشرة: واشنطن تراهن أيضاً على الداخل الإيراني
هناك جانب آخر في الخطة الأميركية لا يتعلق بالبنوك ولا بالنفط.
بيسنت خاطب حتى الجنود الإيرانيين، محذراً من تراجع الرواتب، وسألهم بصورة مباشرة عما إذا كان قادتهم يقودون البلاد إلى النصر أم إلى الدمار.
هذه ليست رسالة مالية.
إنها رسالة سياسية ونفسية.
واشنطن تراهن على أن استمرار تدهور الاقتصاد قد يؤدي إلى زيادة الضغط داخل إيران، وربما إلى احتجاجات أو انقسامات أو تراجع في قدرة النظام على تمويل مؤسساته.
ولهذا يصبح الاقتصاد جزءاً من المعركة على مستقبل النظام نفسه.
لكن إيران لا تزال تملك مخارج
طهران تقول إن العقوبات الأميركية ليست جديدة، وإنها تعلمت خلال العقود الماضية كيفية الالتفاف عليها.
لديها علاقات مع الصين وروسيا ودول أخرى، ويمكنها استخدام العملات المحلية والوسطاء وشبكات التجارة غير المباشرة.
لكن المشكلة أن كل جولة جديدة من العقوبات تجعل الالتفاف أكثر كلفة.
وهذا هو الهدف الأميركي الحقيقي على الأرجح:
ليس بالضرورة منع كل دولار من الوصول إلى إيران.
بل جعل كل دولار يصل إليها أكثر صعوبة وأعلى تكلفة وأكثر خطورة على الطرف الذي ينقله.
وأين يدخل عُمان وباكستان؟
هنا تظهر المفارقة.
في الوقت الذي تشدد فيه واشنطن الخناق، تتحرك عُمان وباكستان للحفاظ على قناة تفاوض مفتوحة بين الطرفين.
وهذا يعني أن التصعيد الاقتصادي والعسكري لا يعني بالضرورة أن الدبلوماسية انتهت.
على العكس.
قد تكون الرسالة الأميركية هي:
سنرفع الضغط إلى أقصى حد لكي تصبح العودة إلى التفاوض أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى إيران.
ولهذا فإن وصول مسؤولين عُمانيين وباكستانيين إلى طهران في هذه اللحظة ليس تفصيلاً ثانوياً.
إنه يعني أن باب التسوية لا يزال مفتوحاً، لكن خلفه ضغط أميركي غير مسبوق.
ماذا تريد واشنطن في النهاية؟
إذا جمعنا كل الخطوات معاً، يصبح «الإنزال الاقتصادي» الأميركي واضحاً:
أولاً: تضرب واشنطن مصادر المال الإيراني.
ثانياً: تضرب الوسطاء والسفن والشركات التي تساعد على نقل هذا المال.
ثالثاً: تهدد الدول التي توفر لهذه الشبكات مساحة للعمل.
رابعاً: تستخدم الدولار لإجبار تلك الدول والشركات على الاختيار.
خامساً: تضغط على قطاعات التكنولوجيا والطيران والذهب والأصول الرقمية والشحن.
سادساً: تلوّح بالخيار العسكري إذا لم ينجح الضغط الاقتصادي.
سابعاً: تراهن على أن الاختناق الاقتصادي سيزيد الضغط داخل إيران.
وفي المقابل، تملك طهران ثلاث أوراق رئيسية:
الالتفاف على العقوبات، وتعميق العلاقات مع الصين وروسيا، واستخدام النفط ومضيق هرمز للرد على الخنق الاقتصادي.
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة.
فإذا بقيت العقوبات ضمن حدود الضغط المالي، تبقى المعركة قابلة للاحتواء.
أما إذا بدأت واشنطن باستهداف مؤسسات صينية كبرى، وردت إيران بإجراءات فعلية ضد حركة النفط والملاحة في هرمز، فإن «الإنزال الاقتصادي» سيتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية مرتبطة مباشرة باحتمال التصعيد العسكري.
وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه الآن:
هل تريد واشنطن من «الإنزال الاقتصادي» أن يُسقط إيران إلى طاولة التفاوض، أم أنها تراهن على أن يؤدي الاختنا ق الاقتصادي إلى تغيير أكبر داخل إيران؟
الجواب على هذا السؤال سيحدد شكل المرحلة المقبلة أكثر من قيمة العقوبات نفسها.
