فتحت تركيا الباب أمام انضمام مصر إلى التحالف الدفاعي الذي جمعها بالسعودية وباكستان، في خطوة من شأنها أن توسّع نطاق الترتيب الأمني الجديد ليشمل واحدة من أبرز القوى العسكرية العربية، وتحوّل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» إلى إطار إقليمي أوسع في مواجهة التحولات الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، السبت، إن القاهرة قد تنضم إلى التحالف «بعد تسوية بعض المسائل الفنية»، كاشفاً أن الاتفاقية الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان تتطابق، من حيث المبدأ، مع مضمون المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، التي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة عضو هجوماً على جميع الدول الأعضاء.
وأوضح فيدان، في مقابلة مع وكالة الأناضول التركية الرسمية، أن التحالف سيضم لجنة وزارية وأمانة عامة مقرها السعودية، مشيراً إلى أن الاتفاقية لا تستهدف دولة بعينها.
وقال إن «إيران ليست هدفاً للتحالف الدفاعي»، مضيفاً: «لا أحد مستهدف طالما أنه لا يهاجم الدول الأعضاء في التحالف».
وفي الوقت نفسه، ربط فيدان المشاركة التركية في الترتيبات الأمنية الجديدة بأهمية أمن الملاحة في البحر الأحمر، قائلاً إن سلامة الملاحة هناك «تهم مصالحنا»، ولذلك ينبغي أن تشارك تركيا في التحالف الدولي الذي تقوده السعودية.
ويكشف كلام الوزير التركي أن اتفاقية مكة لا تُقدَّم في أنقرة باعتبارها تحالفاً ظرفياً مرتبطاً بالحرب الحالية فحسب، بل باعتبارها نواة لترتيب أمني يمكن توسيعه تدريجياً ليشمل دولاً أخرى في المنطقة.
وقال فيدان إن السعودية وباكستان وتركيا «ليست دولاً ذات طموحات توسعية»، مؤكداً أن رؤية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا تقتصر على الدول الثلاث، بل تتجه إلى توسيع نطاق الاتفاقية، «إذا لزم الأمر، لتشمل جميع دول المنطقة».
وأشار إلى أن التعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا يمثل أحد أهم بنود الاتفاقية، موضحاً أن المفاوضات بشأنها استمرت، بحسب قوله، عامين وثمانية أشهر مع الشركاء ودول المنطقة.
وكانت الاتفاقية قد وُقعت الجمعة في السعودية، خلال اجتماع جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بحضور قائد الجيش الباكستاني الفريق أول عاصم منير.
وتأتي الاتفاقية ثمرة مفاوضات استمرت نحو عام بين الدول الثلاث، في وقت تسعى فيه الرياض وأنقرة وإسلام آباد إلى تعزيز قدرتها على التعامل مع الأزمات الإقليمية بقدر أكبر من الاستقلالية.
وتجمع الاتفاقية ثلاث قوى ذات ثقل عسكري واستراتيجي مختلف: السعودية بما تمتلكه من وزن اقتصادي وموارد طاقة وموقع ديني وجغرافي محوري، وباكستان باعتباره ا الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي، وتركيا التي تملك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي وتطور بسرعة صناعاتها الدفاعية.
وبحسب الجانب الباكستاني، تهدف الاتفاقية إلى تعزيز مختلف جوانب التعاون الأمني بين الدول الثلاث، فيما تحدثت وسائل إعلام تركية عن احتمال تنظيم مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة، إلى جانب توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية.
وتكتسب الخطوة حساسية أكبر في ظل الحرب الإقليمية الحالية، إذ لا تقتصر المخاوف الأمنية لدى الدول الثلاث على إيران ووكلائها، بل تشمل أيضاً السياسة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة، الحليف الأمني التقليدي لدول المنطقة، على ضبط مسار التصعيد.
وكان وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف قد صعّد، في وقت سابق، لهجته تجاه إسرائيل، داعياً الدول الإسلامية إلى «التوحد لمواجهة التهديد المشترك الذي تشكله إسرائيل»، وقال إن إسرائيل «تشكل تهديداً لنا جميعاً»، داعياً الدول الإسلامية إلى اعتماد مقاربة منسقة لمواجهتها.
وفي موازاة الإعلان التركي عن احتمال انضمام مصر، تتجه الأنظار إلى الجبهة اليمنية، حيث تتصاعد المواجهة بين السعودية والحوثيين، حلفاء إيران في اليمن.
وأفادت شبكة «سي إن إن» بأن إيران وجهت، وسط الاشتباكات، رسالة تهديد إلى السعودية مفادها أن التحالف الدفاعي الجديد مع تركيا وباكستان لن يكون قادراً وحده على ضمان أمن المملكة.
ونقلت الشبكة عن مسؤول حوثي رفيع أن جماعته لا تنتظر تعليمات من طهران بشأن التصعيد مع السعودية، قائلاً إن «التعليمات الموجهة ضد السعودية لا تأتي من إيران».
وبرر المسؤول الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية بأنها جاءت بصورة «وقائية»، زاعماً أن الرياض كانت تستعد لشن عملية برية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وأضاف أن ما وصفه بـ«الحصار الاقتصادي والجوي» الذي تفرضه السعودية على مناطق سيطرة الحوثيين تسبب في أزمة إنسانية، معتبراً أن ذلك يشكل، بحسب قوله، مبرراً للتحرك ضد المملكة.
وبينما تحاول تركيا تقديم «اتفاقية مكة» باعتبارها إطاراً دفاعياً مفتوحاً لا يستهدف إيران أو أي دولة أخرى، فإن اتساع التحالف المحتمل ليشمل مصر، بالتزامن مع تصاعد المواجهة مع الحوثيين، يمنحه وزناً إقليمياً مختلفاً.
فإذا انضمت القاهرة فعلاً، فإن المعادلة ستنتقل من تحالف ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان إلى إطار أوسع يضم أربع دول ذات قدرات عس كرية وجغرافية متكاملة، من الخليج والبحر الأحمر إلى شرق المتوسط وجنوب آسيا.
وهذا تحديداً ما يجعل «اتفاقية مكة» أكثر من اتفاق دفاعي بين ثلاث دول: إنها محاولة لبناء شبكة أمن إقليمية جديدة، في وقت تبدو فيه المظلات الأمنية التقليدية في الشرق الأوسط أمام اختبار غير مسبوق.
