"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

من الصاروخ إلى الدولار: واشنطن تفتح جبهة جديدة ضد حزب الله

نيوزاليست
الاثنين، 10 أغسطس 2026

من الصاروخ إلى الدولار: واشنطن تفتح جبهة جديدة ضد حزب الله

تحقيق «نيويورك تايمز» يكشف انتقال المواجهة مع حزب الله إلى جبهة المال: من الحدود السورية إلى مطار بيروت، ومن المصارف والصرافين إلى الذهب و«القرض الحسن»

لم تعد المواجهة مع حزب الله تقتصر على استهداف بنيته العسكرية أو الضغط السياسي عليه لنزع سلاحه. ثمة جبهة أخرى تتوسع بهدوء: المال.

في تحقيق موسّع، ترسم صحيفة «نيويورك تايمز» صورة لما تعتبره واحدة من أصعب الأزمات المالية التي يواجهها حزب الله منذ سنوات، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطات اللبنانية تضييق قنوات التمويل التي تصل إلى الحزب، ولا سيما تلك المرتبطة بإيران.

المعركة الجديدة لا تستهدف الصواريخ والمقاتلين مباشرة، بل تستهدف ما يجعل هذه المنظومة قابلة للاستمرار: النقد، التحويلات، الصرافة، الذهب، المؤسسات المالية وشبكة الخدمات الاجتماعية.

وبذلك، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: كم يملك حزب الله من السلاح؟ بل أيضاً: كم من المال يستطيع الوصول إليه، وكيف يستطيع تحريك هذا المال، وكم يستطيع أن ينفق منه على مقاتليه وبيئته؟

إيران… الممول الذي لم يتوقف

بحسب التحقيق، بقيت إيران المصدر الأساسي لتمويل حزب الله.

وتشير تقديرات أميركية سابقة إلى أن طهران كانت تضخ مئات ملايين الدولارات سنوياً في خزينة الحزب، فيما كانت ميزانيته الإجمالية تقترب من مليار دولار سنوياً وفق تقديرات أميركية.

لكن المشكلة التي تواجه الحزب اليوم لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي تصله من إيران، بل أيضاً بحجم الحاجات التي خلّفتها الحرب.

فالحزب يحتاج إلى تمويل جناحه العسكري، ودفع رواتب مقاتليه، وإعادة بناء قدراته، والحفاظ على مؤسساته، وفي الوقت نفسه تمويل شبكته الاجتماعية وتعويض المتضررين من الحرب.

وهذه المعادلة أصبحت أكثر صعوبة بعدما تعرضت قنوات التمويل التقليدية لضربات متلاحقة.

سقوط الأسد… خسارة مالية لا سياسية فقط

كان لسوريا دور محوري في شبكة حزب الله المالية والعسكرية.

فطوال سنوات، شكلت الأراضي السورية جزءاً أساسياً من الممر الذي يربط إيران بحزب الله في لبنان، سواء لنقل السلاح أو الأموال أو المعدات.

لكن سقوط نظام بشار الأسد غيّر هذه المعادلة.

فمع تغير السلطة في دمشق، فقد حزب الله أحد أهم خطوط الإمداد التي كانت تصل عبر الأراضي السورية.

وهكذا لم تكن خسارة الأسد بالنسبة إلى الحزب خسارة لحليف سياسي وعسكري فحسب، بل أيضاً ضربة لشبكة لوجستية استمرت لعقود.

ومع إغلاق الطريق أو جعله أكثر صعوبة ومخاطرة، اضطرت شبكات التمويل إلى البحث عن طرق بديلة.

من الحدود إلى مطار بيروت

وفق ما نقلته «نيويورك تايمز» عن مسؤولين، أصبحت الرحلات الجوية إحدى القنوات التي تحاول طهران استخدامها لإيصال الأموال.

ويشير التحقيق إلى أن السلطات اللبنانية تلقت تحذيرات بشأن محاولات نقل مبالغ نقدية إلى بيروت، بما في ذلك أموال يُعتقد أنها مخصصة لحزب الله.

وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة لأن مطار بيروت هو نقطة دخول إلى النظام المالي اللبناني كله.

فأي تشديد للرقابة على الأموال التي تدخل عبر المطار يعني عملياً تضييق واحدة من القنوات التي يمكن استخدامها لتجاوز القيود المفروضة على التحويلات المالية.

ومن هنا أصبح المطار جزءاً من المعركة المالية، تماماً كما أصبحت الحدود السورية والعراقية والتركية والإماراتية جزءاً من خريطة حركة الأموال.

عندما تصبح الحوالة بديلاً عن المصرف

أمام تشديد الرقابة على المصارف والمؤسسات المالية، لجأت الشبكات المرتبطة بالحزب إلى أنظمة تحويل أكثر صعوبة على الرقابة التقليدية.

في مقدمة هذه الأدوات يأتي نظام الحوالة.

الحوالة لا تحتاج بالضرورة إلى انتقال الأموال نفسها عبر الحدود. فقد يدفع شخص مبلغاً إلى وسيط في بلد ما، ثم يحصل المستفيد على القيمة المقابلة من وسيط آخر في بلد مختلف، بينما تتم تسوية الحسابات بين الوسطاء في وقت لاحق.

وهذه الآلية تجعل تتبع الأموال أكثر تعقيداً من التحويل المصرفي التقليدي.

وبحسب معلومات أوردها التحقيق، أصبحت هذه الشبكات أكثر أهمية في محاولة إيصال الأموال الإيرانية إلى حزب الله بعد تضييق القنوات الرسمية.

وتحدثت وزارة الخزانة الأميركية في وقت سابق عن تحويلات مالية ضخمة إلى الحزب عبر شبكات صرافة وحوالة مرتبطة بإيران.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحول في الحرب المالية: كلما أصبح النظام المصرفي أكثر صعوبة، زادت أهمية الاقتصاد النقدي والشبكات غير الرسمية.

لبنان في قلب المعركة

المواجهة المالية لا تجري خارج لبنان.

بل إن جزءاً كبيراً منها يحدث داخل النظام المالي اللبناني نفسه.

فالولايات المتحدة تضغط على السلطات اللبنانية لتشديد الرقابة على تدفقات الأموال النقدية، فيما يحاول مصرف لبنان والجهات الرقابية اللبنانية منع استخدام النظام المالي اللبناني في تحويل الأموال إلى حزب الله.

وهذا يضع لبنان أمام معادلة شديدة الحساسية.

فمن جهة، يريد لبنان حماية نظامه المصرفي وعلاقته بالنظام المالي الدولي.

ومن جهة أخرى، فإن تشديد الرقابة على حركة النقد يضع المؤسسات والشركات والأفراد الذين يعملون في الاقتصاد النقدي تحت رقابة أكبر.

وبالنسبة إلى حزب الله، تعني هذه الإجراءات شيئاً واضحاً: كل دولار يصل إليه يصبح أكثر كلفة وخطورة وصعوبة في التحريك.

«القرض الحسن»… المؤسسة التي تتجاوز وظيفتها المالية

ربما تكون قضية «القرض الحسن» الأكثر حساسية في هذه الحرب.

فالمؤسسة ليست مجرد جهة تقدم القروض.

على مدى سنوات، شكلت جزءاً من البنية الاقتصادية والاجتماعية التي يعتمد عليها حزب الله داخل بيئته.

ومن خلال القروض والخدمات والمساعدات، ساهمت المؤسسة في بناء علاقة مالية مباشرة بين الحزب وقسم كبير من جمهوره.

ولهذا فإن استهداف «القرض الحسن» لا يعني فقط ضرب مؤسسة مالية، بل ضرب إحدى أدوات النفوذ الاجتماعي للحزب.

وتقول «نيويورك تايمز» إن الضغط على هذه المؤسسة ازداد، في وقت تواجه فيه بيئة الحزب حاجة متزايدة إلى الأموال بسبب آثار الحرب والدمار.

التعويضات التي لم تصل

تكشف قضية التعويضات عن حجم المشكلة.

فبعد الحرب، كان حزب الله قد تعهد بمساعدة عائلات فقدت منازلها أو تضررت بفعل القتال.

وكان «القرض الحسن» جزءاً من الآلية التي يفترض أن تساعد في توفير هذه الأموال.

لكن بحسب التحقيق، تأخرت التعويضات ثم توقفت بالنسبة إلى عدد من العائلات.

وهنا يظهر أثر الأزمة المالية بصورة مباشرة في المجتمع.

فالمشكلة لم تعد مرتبطة بحسابات المصارف أو العقوبات الأميركية، بل أصبحت تصل إلى العائلة التي تنتظر المال لإعادة بناء منزلها.

وهذا قد يكون أخطر ما في الحرب المالية بالنسبة إلى الحزب.

فالقوة الاجتماعية لحزب الله لا تقوم على السلاح وحده، بل أيضاً على قدرته على تقديم الخدمات والمساعدات وإظهار نفسه قادراً على حماية بيئته في الأزمات.

الأولوية للمقاتلين

في المقابل، تشير المعطيات التي أوردها التحقيق إلى أن الحزب يحاول إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري.

وهذا يعني أن الأزمة المالية لا تؤدي بالضرورة إلى توقف الرواتب العسكرية بالسرعة نفسها التي تؤثر بها في الخدمات الاجتماعية.

المعادلة تبدو واضحة:

القدرة القتالية أولاً، والإنفاق الاجتماعي ثانياً.

وهذا منطقي من منظور أي تنظيم يخوض مواجهة عسكرية؛ لكنه يحمل كلفة سياسية واجتماعية كبيرة.

فكل دولار يُخصص للحفاظ على القدرة العسكرية هو دولار لا يذهب بالضرورة إلى إعادة بناء منزل أو تمويل خدمة اجتماعية أو تعويض عائلة.

ومع مرور الوقت، يمكن أن يتحول هذا التوتر إلى مشكلة داخلية للحزب نفسه.

الذهب… عندما تتحول الثروة إلى سيولة

تظهر في التحقيق أيضاً أهمية الذهب كأداة مالية.

فالذهب يوفر للحزب وسيلة مختلفة عن النظام المصرفي التقليدي، ويمكن تحويله إلى سيولة من خلال شبكات تجارية ووسطاء.

ولهذا، فإن مراقبة تجارة الذهب أصبحت جزءاً من مراقبة شبكات التمويل المرتبطة بالحزب.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في اقتصاد يعتمد على النقد، حيث يمكن للذهب أن يعمل كاحتياط للقيمة، ثم يتحول عند الحاجة إلى أموال قابلة للإنفاق.

وهكذا تتوسع المعركة من المصارف إلى كل الأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة.

هل تستطيع إيران الاستمرار في تمويل حزب الله؟

السؤال المركزي ليس ما إذا كانت إيران تريد الاستمرار في تمويل حزب الله.

الجواب على ذلك يبدو واضحاً.

السؤال هو: هل تستطيع إيران إيصال الأموال بالحجم نفسه، وبالسرعة نفسها، وبالكلفة نفسها؟

وهنا تكمن أهمية الضغط على شبكة التمويل.

فحتى لو استمرت طهران في تخصيص الأموال لحزب الله، فإن قطع الطرق التقليدية يجعل عملية إيصالها وتحريكها أكثر تعقيداً.

وكل طبقة جديدة من الوسطاء تعني مخاطر إضافية.

وكل تحويل نقدي يحتاج إلى وسيط.

وكل وسيط معرض للعقوبات.

وكل شركة صرافة يمكن إغلاقها.

وكل قناة مصرفية يمكن مراقبتها.

وبالتالي، لا تحتاج الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف التمويل الإيراني بنسبة مئة في المئة حتى تؤثرا في الحزب.

يكفي أن تجعلا عملية تحويل المال إلى قدرة عسكرية واجتماعية أكثر صعوبة وكلفة.

من الحرب العسكرية إلى «حرب الاستنزاف المالي»

تكشف هذه التطورات عن تغيير أوسع في طريقة التعامل مع حزب الله.

في الماضي، كان استهداف الحزب يتركز أساساً على بنيته العسكرية.

أما اليوم، فتتجه الضغوط إلى البيئة التي تجعل هذه البنية قابلة للاستمرار.

يمكن اختصار الخريطة الجديدة على الشكل الآتي:

إيران → قنوات نقل الأموال → الوسطاء والصرافون → لبنان → مؤسسات حزب الله → المقاتلون والخدمات الاجتماعية.

والهدف هو تعطيل أكبر عدد ممكن من حلقات هذه السلسلة.

وهذا ما يجعل الحرب المالية مختلفة عن العقوبات التقليدية.

فالعقوبة على مسؤول واحد قد تجمد أمواله.

أما تفكيك شبكة التمويل فيعني محاولة جعل كل عملية مالية مرتبطة بالحزب أكثر صعوبة.

لكن الحزب لم يفقد قدرته على التكيّف

مع ذلك، سيكون من الخطأ قراءة الأزمة باعتبارها انهياراً مالياً كاملاً لحزب الله.

الحزب يمتلك خبرة طويلة في العمل ضمن بيئات مالية غير رسمية، كما أن إيران ما زالت تعتبره جزءاً أساسياً من منظومتها الإقليمية.

ولهذا يمكن أن يعيد تنظيم شبكاته.

قد تتغير الشركات.

قد تتغير طرق التحويل.

قد ينتقل المال من قناة إلى أخرى.

وقد تتراجع أهمية المصارف لحساب الصرافين والوسطاء والذهب والنقد.

أي أن الحرب المالية ليست معركة ضربة واحدة.

إنها حرب استنزاف.

المعركة الحقيقية: هل يستطيع حزب الله الحفاظ على «نموذجه»؟

في النهاية، تكمن أهمية تحقيق «نيويورك تايمز» في أنه ينقل النقاش من سؤال السلاح إلى سؤال أوسع:

هل يستطيع حزب الله الاحتفاظ بالنموذج الذي بناه طوال عقود إذا تراجعت قدرته على تمويله؟

فالحزب ليس تنظيماً عسكرياً فقط.

إنه شبكة سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية.

وكل واحدة من هذه الوظائف تحتاج إلى المال.

ولهذا فإن الضغط المالي لا يستهدف الصاروخ وحده، بل البيئة التي تجعل الصاروخ جزءاً من منظومة متكاملة.

إذا نجحت الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في إغلاق عدد كافٍ من القنوات، فقد يجد حزب الله نفسه أمام خيار صعب: إما الحفاظ على الإنفاق العسكري على حساب خدماته الاجتماعية، أو توزيع موارده المحدودة بطريقة قد تؤثر في قدرته العسكرية والاجتماعية معاً.

وهنا تتحول الأزمة المالية من مشكلة محاسبية إلى مسألة تتعلق بمستقبل نفوذ الحزب نفسه.

فالسلاح يمنح حزب الله قوة عسكرية، لكن المال هو الذي يسمح لهذه القوة بأن تتحول إلى منظومة مستدامة.

ومن دون المال، لا يختفي السلاح بالضرورة.

لكن يصبح الحفاظ على المنظومة التي تحيط به أكثر صعوبة.

وهذا، في جوهره، هو الرهان الجديد في الحرب على حزب الله: ليس فقط قطع الطريق أمام الصاروخ، بل قطع الطريق أمام الدولار الذي يمول الصاروخ، والمؤسسة التي تحمي المقاتل، والشبكة التي تحافظ على ولاء البيئة.

المقال السابق
الصهر يثير الجدل مجددًا.. خرازي: بزشكيان استقال 28 مرة ومجتبى طُرد من مكتب والده
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

الصهر يثير الجدل مجددًا.. خرازي: بزشكيان استقال 28 مرة ومجتبى طُرد من مكتب والده

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية