قد يبدو الخلاف بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو مفاجئاً. فالرجلان بنيا خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر العلاقات السياسية متانة بين رئيس أميركي ورئيس وزراء إسرائيلي. لكن ما يجري اليوم في لبنان يكشف أن التفاهم بينهما له حدود، وأن المصالح تتقاطع أحياناً وتفترق أحياناً أخرى.
السبب بسيط: ترامب ونتنياهو ينظران إلى لبنان من مكانين مختلفين تماماً.
ترامب ينظر إلى المنطقة من أعلى. ما يهمه اليوم هو نجاح التفاهم مع إيران. يريد شرق أوسط أكثر هدوءاً، ومضيق هرمز مفتوحاً، وأسعار نفط مستقرة، وأسواقاً مطمئنة، وعنواناً كبيراً يقول إنه منع حرباً جديدة وفتح الباب أمام تسوية أوسع. بالنسبة إليه، التفاصيل يمكن تأجيلها. المهم أن تبقى الصورة العامة متماسكة وأن لا ينهار الاتفاق قبل أن يبدأ.
أما نتنياهو فلا يرى الصورة من واشنطن بل من الحدود الشمالية.
عندما ينظر إلى لبنان لا يرى مفاوضات ولا بيانات سياسية، بل يرى تلالاً وودياناً ومواقع عسكرية وقواعد اشتباك جديدة تشكلت بعد أشهر طويلة من الحرب. ويرى أيضاً فرصة نادرة لإعادة رسم الواقع الأمني على الحدود مع لبنان بطريقة لم تكن متاحة قبل سنوات.
لهذا السبب لا تنظر إسرائيل إلى وجودها الحالي في جنوب لبنان على أنه مجرد انتشار عسكري مؤقت. فالقوات الإسرائيلية تسيطر اليوم على ما تسميه «المنطقة الصفراء»، وهي منطقة تمتد في بعض المواقع إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وتشمل مرتفعات وممرات استراتيجية تعتبرها المؤسسة العسكرية ضرورية لمنع عودة التهديدات التي كانت قائمة قبل الحرب.
ومن هنا يبدأ الخلاف الحقيقي.
فما يعتبره ترامب تفصيلاً يمكن معالجته في إطار التفاهم مع إيران، يعتبره نتنياهو جوهر المسألة. الرئيس الأميركي يريد تثبيت الهدوء في لبنان لأن أي تصعيد قد يهدد الاتفاق الذي يراهن عليه. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي فيخشى أن يؤدي أي انسحاب سريع أو أي قيود على العمل العسكري إلى تبديد المكاسب التي حققتها إسرائيل على الأرض.
المشكلة أن لبنان ليس بنداً عادياً في التفاهم الأميركي – الإيراني.
فطهران تعتبر أن وقف العمليات العسكرية في لبنان جزء أساسي من الاتفاق. و«حزب الله» يحتاج إلى وقف النار لتخفيف الضغط العسكري عنه. أما إسرائيل فتتعامل مع الجنوب اللبناني باعتباره الساحة التي يجب أن تترجم فيها نتائج الحرب إلى وقائع دائمة لا إلى هدنة مؤقتة.
وهنا تكمن المفارقة.
إيران قادرة على التحدث باسم «حزب الله» عندما يتعلق الأمر بوقف النار أو استمراره. لكن لا أحد يستطيع أن يتحدث باسم إسرائيل بالطريقة نفسها. فالقرار الإسرائيلي لا يُصنع في طهران ولا في واشنطن. إنه يخضع لحسابات أمنية داخلية، ولضغوط سياسية وانتخابية، ولرؤية عسكرية ترى أن الانسحاب من مواقع استراتيجية لا يمكن أن يكون ثمناً لتفاهم لم تكن إسرائيل طرفاً مباشراً فيه.
ولهذا تبدو الجبهة اللبنانية اليوم الحلقة الأضعف في التفاهم الأميركي – الإيراني.
فواشنطن تتفاوض مع طهران، لكنها في الوقت نفسه ترعى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل. وإيران تضغط لوقف النار، بينما تواصل إسرائيل الحديث عن البقاء في مواقعها داخل الجنوب. و«حزب الله» لا يستطيع إعلان انتهاء المعركة بالكامل فيما لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة داخل الأراضي اللبنانية.
كل ذلك يجعل لبنان أكثر من مجرد ساحة جانبية في الاتفاق. إنه الاختبار الحقيقي له.
فإذا كان ترامب يريد صفقة كبرى تعيد ترتيب المنطقة، فإن نتنياهو يريد ضمانات أمنية ملموسة على الأرض. وإذا كان الأول يفكر في صورة الشرق الأوسط بعد ستين يوماً من المفاوضات، فإن الثاني يفكر في ما سيحدث بعد ست سنوات على الحدود الشمالية.
لهذا لا يدور الخلاف بينهما حول لبنان فقط، بل حول سؤال أعمق: هل يُبنى الاستقرار من خلال التفاهمات السياسية أم من خلال الوقائع العسكرية؟
حتى الآن، يبدو أن ترامب ونتنياهو يقدمان جوابين مختلفين تماماً. وبين الجوابين يقف لبنان، مرة جديدة، في قلب الصراع لا على هامشه.