راز زيميت – يديعوت أحرونوت
مع ابتعاد إيران عن مرحلة القتال النشط، يبدو أن كبار المسؤولين في النظام يكثفون جهودهم لاستغلال المرحلة الحالية لترسيخ مواقعهم داخل القيادة الإيرانية الجديدة.
أول مؤشرات ذلك ظهر في موجة الشائعات التي تحدثت عن نية الرئيس مسعود بزشكيان الاستقالة. واضطر بزشكيان إلى نفي هذه التقارير علناً، مؤكداً في مقابلة تلفزيونية أنه لا ينوي الاستقالة، وأنه إذا قرر ذلك فسيعلنه رسمياً. كما شدد على وجود تنسيق كامل بين حكومته والقوات المسلحة، واتهم جهات مختلفة بمحاولة خلق انطباع زائف بوجود خلاف بينه وبين المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
وفي خطوة غير معتادة، أصدر مكتب المرشد بياناً نفى فيه مزاعم رجل الدين المتشدد محمد باقر خرازي، الذي ادعى أن بزشكيان هدد بالاستقالة عشرات المرات، وأن مجتبى خامنئي أبلغه بأنه سيقبل استقالته في المرة المقبلة.
وفي التاسع من آب/أغسطس، أعلن مكتب المرشد أيضاً عن اجتماع بين مجتبى خامنئي وبزشكيان، بحثا خلاله قضايا اقتصادية وأمنية، في رسالة بدت موجهة إلى نفي الحديث عن وجود أزمة بين الرجلين.
وأثارت تصريحات خرازي عاصفة أخرى من الجدل. فالرجل، الذي تربطه صلات بعائلة خامنئي لكنه لا يشغل منصباً رسمياً في مؤسسات النظام، دعا في مقاطع فيديو نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي إلى حشد أنصاره «للسيطرة» على طهران، وإلى إعدام النساء غير المحجبات، بل وإلى إسقاط الحكومة.
وأثارت تصريحاته ردود فعل غاضبة، وأدت إلى استدعائه أمام المحكمة الخاصة برجال الدين. وحذر أنصار بزشكيان من أن تصريحات خرازي تعكس محاولة من الحركة المتطرفة للإضرار بالرئيس، وتأجيج الاستقطاب الداخلي، والسيطرة على المؤسسات السياسية.
لكن التطور الأكثر أهمية جاء في المجلس الأعلى للأمن القومي.
فقد أعلن الرئيس الإيراني تعيين محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري والمستشار العسكري، ممثلاً له في المجلس. وبعد ذلك بوقت قصير، أُعلن تعيين رضائي أميناً عاماً للمجلس، خلفاً لمحمد باقر زولغدر، الذي كان قد تولى المنصب في نيسان/أبريل 2026 عقب اغتيال علي لاريجاني.
وجاء تعيين رضائي بعد تقارير أفادت بأن بزشكيان رفض قبول استقالة زولغدر وعارض تعيين رضائي، ما يضيف بعداً آخر إلى الصراع على النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
ويبقى من السابق لأوانه تقييم أثر هذا التعيين. فرَضائي، البالغ 71 عاماً، والحاصل على دكتوراه في الاقتصاد، قاد الحرس الثوري من عام 1981 إلى عام 1997، وهو معروف بمواقفه المتشددة. كما ارتبط اسمه باتهامات بالتورط في تفجير مبنى الجالية اليهودية في بوينس آيرس عام 1994، وهي اتهامات ينفيها.
وقد اتخذت حياته الشخصية أيضاً منحى مأساوياً، بعدما هاجر أحد أبنائه إلى الولايات المتحدة وانتقد سياسات الحكومة الإيرانية واتهم والده بدعم أعمال إرهابية. وفي عام 2011، عُثر على جثته في فندق في دبي، فيما ظهرت آنذاك مزاعم بأن والده كان متورطاً في وفاته.
صراعات السلطة في «الجمهورية الإسلامية الثالثة»
تقدم التطورات الأخيرة أدلة إضافية على صراعات السلطة داخل ما يمكن وصفه بـ«الجمهورية الإسلامية الثالثة»، التي ظهرت بعد اغتيال علي خامنئي، ولا تزال في مراحلها الأولى.
ولا تعكس هذه الصراعات مجرد خلافات بين «البراغماتيين» و«المتطرفين»، أو بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية والأمنية. فالنظام الإيراني يتكون من مراكز قوة متعددة، والحرس الثوري نفسه ليس كياناً متجانساً.
حتى في عهد خامنئي الأب، ظهرت خلافات حادة على أعلى مستويات السلطة، لكنه كان قادراً في النهاية على لعب دور الحكم وصاحب القرار النهائي. أما ابنه مجتبى، فلم يتمكن بعد من ترسيخ سلطته بالدرجة نفسها، ويرتبط ذلك جزئياً بغيابه المستمر وبالظروف الأمنية والصحية التي تجعل عملية اتخاذ القرار أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق، تكتسب عودة رضائي إلى مركز القرار أهمية خاصة.
فعندما وقعت مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، اعترض رضائي على التحركات الدبلوماسية التي قادها الرئيس ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ودعا إلى تبني نهج أكثر حزماً تجاه واشنطن.
وعلى خلاف زولغدر، يبدو أن رضائي يمتلك شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ داخل مكتب المرشد والحرس الثوري. ولذلك قد يعزز تعيينه موقع الجناح العسكري ـ الأمني في قمة هرم السلطة، بقيادة قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي.
وعادة ما يتبنى هذا الجناح موقفاً أكثر تشدداً، ويتردد في تقديم تنازلات للمطالب الأميركية.
لكن رضائي ليس مجرد رجل أمن متشدد. فهو سياسي مخضرم وطموح، سعى في السابق إلى الوصول إلى رئاسة إيران وفشل، وقد يتبنى نهجاً براغماتياً إذا رأى أن ذلك يخدم مصالحه السياسية.
وهذه النقطة تحديداً تجعل من الصعب التنبؤ بدوره الجديد.
فمع ابتعاد إيران عن مرحلة القتال المباشر، يبدو أن كبار المسؤولين الحكوميين يكثفون جهودهم لاستغلال الوضع لترسيخ مواقعهم تحت القيادة الجديدة.
وستؤثر نتائج هذه الصراعات ليس فقط على مستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة، أو على المفاضلة بين التسوية السياسية والتنمية الاقتصادية من جهة، واستمرار مفهوم «المقاومة» والحرب من جهة أخرى، بل أيضاً على الشكل المستقبلي للجمهورية الإسلامية نفسها.
فالسؤال المطروح هو ما إذا كانت إيران ستبقى نظاماً دينياً تقوده مؤسسات الثورة، أم ستتحول تدريجياً إلى نموذج أكثر عسكرية واستبداداً، يكون فيه الحرس الثوري صاحب النفوذ الحاسم.
وفي النهاية، يواجه النظام بالفعل تحديات داخلية صعبة، وفي مقدمها الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. ويبقى السؤال ما إذا كان سيتمكن من احتواء صراعات السلطة المتزايدة والتحرك نحو قدر من الاستقرار الحكومي، أم أن هذه الصراعات ستتعمق إلى أزمة تهدد بقاء النظام نفسه.
