"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

جنوب لبنان تحت النار: تحقيق يكشف حجم الدمار ومعركة العودة

نيوزاليست
الأربعاء، 12 أغسطس 2026

جنوب لبنان تحت النار: تحقيق يكشف حجم الدمار ومعركة العودة

يكشف تحقيق بصري أجرته صحيفة فايننشال تايمز بالتعاون مع مؤسسة «لايتهاوس ريبورتس» عن حجم واسع من الدمار الذي أصاب مناطق في جنوب لبنان خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله، مع تركيز خاص على البلدات الواقعة قرب الحدود.

واعتمد التحقيق على تحليل صور الأقمار الاصطناعية، وبيانات مفتوحة المصدر، ومقاطع فيديو جرى التحقق منها، إلى جانب شهادات من سكان وناشطين وخبراء. وخلص إلى أن أضراراً كبيرة لحقت بالمنازل والمنشآت المدنية والبنية التحتية والأراضي الزراعية، وأن جزءاً من عمليات الهدم وقع بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على عدد من القرى التي كان سكانها قد غادروها.

ويقول التحقيق إن نحو مليون لبناني اضطروا إلى النزوح خلال الحرب، فيما بقيت مناطق واسعة من جنوب لبنان خارج متناول سكانها، في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من المنطقة الحدودية.

بنت جبيل وبلدات حدودية أخرى

يركز التحقيق على عدد من البلدات، بينها بنت جبيل وخيام والطيبة وحداثا، ويظهر من خلال الصور الفضائية حجم التغير الذي طرأ على مناطق كانت تضم منازل وأحياء سكنية وأراضي زراعية.

وتشير تقديرات المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان إلى تضرر أو تدمير نحو 85 ألف وحدة سكنية في الجنوب، مع احتمال أن يكون الرقم أعلى، نظراً إلى عدم استكمال تقييم الأضرار في بعض المناطق.

وفي بنت جبيل، إحدى أبرز بلدات المنطقة الحدودية، تظهر صور الأقمار الاصطناعية مساحات واسعة من الدمار، فيما يقول التحقيق إن عمليات الهدم لم تقتصر على مواقع عسكرية محددة، بل طالت أجزاء واسعة من النسيج العمراني.

وتنقل الصحيفة عن سكان نازحين أنهم أصبحوا يعتمدون على صور الأقمار الاصطناعية لمعرفة ما حل بمنازلهم وممتلكاتهم، في ظل عدم تمكن كثير منهم من العودة إلى مناطقهم.

دمار يتجاوز المنازل

ولا يقتصر الدمار الذي يوثقه التحقيق على الوحدات السكنية.

فقد تضررت، بحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة، منشآت مرتبطة بالمياه والطاقة والرعاية الصحية والتعليم، إضافة إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والغابات.

كما تضررت الجسور التي تربط المناطق الواقعة على جانبي نهر الليطاني، فيما تعرضت مساحات زراعية واسعة للأضرار.

وبحسب وزارة الزراعة اللبنانية، طاول الضرر أكثر من 20 في المئة من الأراضي الزراعية والغابات في جنوب لبنان، فيما كانت بساتين الزيتون من بين القطاعات الأكثر تضرراً.

ويمثل الزيتون جزءاً أساسياً من اقتصاد وذاكرة سكان الجنوب، إذ تنتج المنطقة نسبة كبيرة من محصول الزيتون اللبناني، فيما تحتاج آلاف الأشجار التي تضررت أو اقتلعت إلى سنوات قبل أن تعود إلى الإنتاج.

عمليات هدم بعد سيطرة القوات الإسرائيلية

ومن أبرز ما يركز عليه التحقيق أن جزءاً كبيراً من الدمار الذي جرى توثيقه وقع بعد إخلاء عدد من القرى وسيطرة القوات الإسرائيلية على مناطق فيها.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية ومقاطع الفيديو التي حللها التحقيق ما يقول إنه عمليات هدم وتفجير وإزالة لمبانٍ باستخدام آليات ثقيلة.

كما يشير التحقيق إلى وجود أدلة على عمليات تفجير منظمة في عدد من البلدات الحدودية، فيما ظهرت جرافات وآليات هندسية تعمل على إزالة المباني والأنقاض.

وتقول الصحيفة إن بعض المعدات المستخدمة في عمليات الإزالة صُنعت أو بيعت من شركات عالمية، من بينها «كاتربيلر» و«فولفو»، فيما أكدت الشركات أنها لا تتحكم بصورة مباشرة في الاستخدام النهائي لمعداتها.

إسرائيل: العمليات ذات طابع دفاعي

في المقابل، تقدم إسرائيل العمليات العسكرية في جنوب لبنان باعتبارها جزءاً من جهودها الأمنية لمنع حزب الله من إعادة بناء بنيته العسكرية بالقرب من الحدود.

وتقول السلطات الإسرائيلية إن العمليات تستهدف مواقع وبنى عسكرية مرتبطة بالحزب، وإن الهدف منها حماية المناطق الإسرائيلية الشمالية ومنع تكرار الهجمات عبر الحدود.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس قد تحدث في وقت سابق عن تدمير عدد من القرى والمنشآت في المنطقة الحدودية، في إطار ما تصفه إسرائيل بإزالة التهديد العسكري القريب من حدودها.

لكن التحقيق يشير إلى أن إسرائيل لم تقدم في جميع الحالات أدلة علنية تثبت أن المباني التي تعرضت للهدم كانت تستخدم لأغراض عسكرية.

أسئلة قانونية

ويفتح حجم الدمار وطبيعة عمليات الهدم نقاشاً حول القواعد التي تحكم تدمير الممتلكات المدنية خلال النزاعات المسلحة.

وينقل التحقيق عن خبراء في القانون الدولي أن القواعد القانونية تصبح أكثر تشدداً عندما تكون القوات العسكرية في موقع السيطرة الفعلية على منطقة ما.

وتقول الخبيرة في قانون الحرب والأخلاق بجامعة أكسفورد جانينا ديل إن تدمير الممتلكات المدنية في مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية يجب أن يكون مرتبطاً بـ«ضرورة عسكرية ملحّة»، ولا يكفي، بحسب رأيها، القول إن جماعة مسلحة قد تستخدم المباني مستقبلاً لتبرير تدمير جميع منازل قرية بأكملها.

كما تنقل الصحيفة عن منظمة العفو الدولية مخاوف من أن يؤدي استمرار الدمار ومنع السكان من العودة إلى تغيير الواقع السكاني في المنطقة بصورة طويلة الأمد.

وهذه الآراء تمثل مواقف خبراء ومنظمات حقوقية، ولا تشكل بحد ذاتها حكماً قضائياً على قانونية العمليات الإسرائيلية.

الفوسفور الأبيض والبيئة

ويتناول التحقيق أيضاً الأضرار البيئية التي لحقت بالجنوب.

وتشير معطيات لبنانية وحقوقية إلى استخدام الفوسفور الأبيض في مناطق مأهولة وأراضٍ زراعية خلال العمليات العسكرية، وهو ما تقول إسرائيل إنه يستخدم لأغراض عسكرية مثل إخفاء التحركات أو التعامل مع الغطاء النباتي، مع التأكيد الإسرائيلي على ضرورة استخدامه وفق القانون الدولي.

ويحذر خبراء البيئة من أن آثار الحرائق والمواد المستخدمة في العمليات قد تستمر لفترة طويلة، خصوصاً في الأراضي الزراعية ومصادر المياه والتربة.

«الخط الأصفر» ومنع العودة

وبحسب التحقيق، تقع عشرات القرى والمزارع ضمن منطقة يفصلها ما يسمى عملياً بـ«الخط الأصفر» قرب الحدود، ويقدر المجلس الوطني للبحوث العلمية أن نحو 270 ألف شخص من سكان تلك المناطق لا يستطيعون العودة إلى منازلهم في الظروف الحالية.

ويضيف التحقيق أن غالبية البلدات الواقعة داخل هذه المنطقة ذات غالبية شيعية، مع وجود قرى ذات تركيبة سكانية مختلفة.

وتقول الصحيفة إن حجم الدمار في بعض المناطق يجعل العودة نفسها مسألة معقدة، حتى في حال انتهاء العمليات العسكرية، لأن السكان سيحتاجون إلى إعادة بناء المنازل وشبكات المياه والكهرباء والمدارس والمنشآت الصحية والطرق.

أبعد من الحرب

القضية التي يطرحها التحقيق لا تتعلق فقط بحجم الدمار الذي خلفته الحرب، وإنما بالسؤال عما إذا كان جنوب لبنان سيتمكن من استعادة الحياة الطبيعية بعد توقف العمليات.

فحتى إذا توقفت الأعمال العسكرية، فإن تدمير المنازل والبنية التحتية والأراضي الزراعية يعني أن عودة السكان لن تكون مسألة فتح الطرق أو إعلان وقف إطلاق النار فحسب.

وسيحتاج آلاف السكان إلى إعادة بناء منازلهم ومصادر رزقهم، فيما ستحتاج البلدات إلى إعادة تأهيل شبكات المياه والطاقة والمدارس والمرافق الصحية والطرق والجسور.

ومن هنا، يبرز سؤال أساسي حول مستقبل المنطقة: هل سيكون الجنوب أمام مرحلة إعادة إعمار وعودة تدريجية للسكان، أم أن الدمار والوجود العسكري وتغيير طبيعة المنطقة سيجعل العودة أكثر صعوبة وطولاً؟

معركة على الأرض وعلى مستقبل الجنوب

يكشف تحقيق «فايننشال تايمز» أن آثار الحرب في جنوب لبنان تتجاوز الخسائر المباشرة الناجمة عن القصف والاشتباكات.

فالدمار الذي أصاب المنازل والأراضي الزراعية والبنية التحتية يمكن أن يترك أثراً اجتماعياً واقتصادياً يمتد لسنوات، فيما يبقى مستقبل المناطق الحدودية مرتبطاً أيضاً بالترتيبات الأمنية والسياسية بين لبنان وإسرائيل.

وبينما تقول إسرائيل إن عملياتها تهدف إلى إزالة التهديد الذي يمثله حزب الله قرب حدودها، تثير منظمات حقوقية وخبراء قانونيون أسئلة حول مدى تناسب حجم الدمار مع الأهداف العسكرية المعلنة، وحول أثره على قدرة السكان المدنيين على العودة.

وفي نهاية المطاف، لا يتعلق مستقبل جنوب لبنان فقط بمن يسيطر عسكرياً على الأرض، بل أيضاً بمن يستطيع إعادة الحياة إليها، ومن يضمن للسكان إمكانية العودة إلى منازلهم واستعادة مصادر رزقهم بعد واحدة من أكثر الحروب تدميراً التي شهدتها المنطقة الحدودية خلال العقود الأخيرة.

المقال السابق
إليكم التفاصيل.. مجلس النواب اللبناني يقر قانون العفو العام
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

سلام يوجّه ضربة إلى «حكومة الجيش» داخل حكومته: «نحن مش ٢٤ حكومة»

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية