من النبطية، جمع رئيس الحكومة نواف سلام بين رسالتين، إنمائية وسياسية: الأولى إطلاق مشاريع لإعادة إعمار المنطقة ودعم عودة مؤسسات الدولة، والثانية التأكيد أن حماية لبنان ومنع تكرار الحرب لا يمكن أن يتحققا من خلال انتظار تسوية إقليمية أو إبقاء قرار الحرب والسلم خارج الدولة.
وخلال كلمته في بلدية النبطية، أعلن سلام إطلاق 23 مناقصة عبر مجلس الإنماء والإعمار تشمل قضاء النبطية، في إطار خطة التعافي وإعادة الإعمار، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل أيضاً على إطلاق 12 مناقصة إضافية خلال الشهر، تشمل مشاريع لترميم مستشفيات وتأهيل قطاعات أساسية وتوفير معدات للإنقاذ والإطفاء.
وقال سلام إن عودته إلى النبطية للمرة الثالثة منذ تشكيل الحكومة «لم تكن مجرد مناسبات رسمية»، بل تعبيراً عن التزام أراد ترجمته «إلى متابعة وعمل».
وأكد أن حاجات النبطية والجنوب كانت حاضرة في لقاءاته خلال زيارتيه إلى نيويورك وواشنطن، ولا سيما مع الأمين العام للأمم المتحدة والمسؤولين الأميركيين ورئيس البنك الدولي، سعياً إلى تأمين الموارد اللازمة لتنفيذ خطة التعافي وإعادة الإعمار.
وقال: «أنا هنا اليوم للتأكيد على عودة مؤسسات الدولة إلى عملها»، معتبراً أن هذه العودة «جزء أساسي من عودة الحياة إلى هذه المدينة العزيزة»، وأن المؤسسات ستكون في خدمة «دعم صمود أهلها الطيبين وتثبيت بقائهم في أرضهم».
لكن كلمة سلام تجاوزت الجانب الإنمائي إلى رسم موقف سياسي واضح من مستقبل الجنوب وقرار الحرب والسلم.
وقال إن «الضمانة الحقيقية أمامنا هي أن نمضي في حشد ما استطعنا من إمكانات ودعم لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل ولإعادة بناء الدولة».
وأضاف: «دولة قادرة وفاعلة، دولة واحدة لكل أبنائها، جيشها واحد، وقرارها واحد، لا سيما قرار الحرب والسلم».
وربط سلام بين هذه المعادلة وبين منع تكرار الحروب والاعتداءات، قائلاً إن قيام دولة بهذا الشكل هو الطريق «كي لا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام حرب جديدة، أو ذرائع جديدة للاعتداء على لبنان، أو توسع جديد للاحتلال».
لا انتظار لتسوية إقليمية
وفي أكثر مواقف كلمته وضوحاً في مواجهة منطق ربط مصير لبنان بالصراع الإقليمي، رفض سلام أن يكون انتظار تسوية إقليمية كبرى خياراً للبنان.
وقال: «إن انتظار تسوية إقليمية كبرى ليس خياراً للبنان»، لأن هذه التسوية «قد تأتي أو لا تأتي، أو قد تتأخر سنوات»، مضيفاً أنه «إذا حصلت فقد تكون على حسابنا».
ثم طرح مجموعة من الأسئلة التي تعكس جوهر موقفه:
«ماذا لو اندلعت حرب جديدة في المنطقة؟ هل نقبل بأن يدفع لبنان والجنوب ثمنها مرة أخرى؟ وهل نبقى منتظرين، ويبقى أهلنا نازحين، وتبقى أرضنا محتلة، ويبقى أسرانا في الأسر، ويبقى الإعمار مؤجلاً، ونبقى معلّقين على ما يقرره لنا الآخرون؟».
وأجاب: «بالتأكيد، لا يمكن لعاقل أن يقبل بذلك».
ويشكل هذا الجزء من خطاب سلام مواجهة سياسية مباشرة مع منطق إبقاء لبنان في حالة انتظار لما ستؤول إليه المواجهة الإقليمية، في مقابل طرح حكومي يقوم على استعادة القرار إلى المؤسسات اللبنانية، وعلى رأسها الجيش والدولة.
الاعتراف بحدود قدرة الدولة
وفي المقابل، لم يقدم سلام إعادة الإعمار باعتبارها مهمة تستطيع الدولة اللبنانية تحملها منفردة.
وقال بصراحة: «مسؤوليتي اليوم هي أن أصارحكم أيضاً، مع إدراكي لحجم الأزمة، لكن حجم الحاجات يفوق إمكانات الدولة اللبنانية وقدرتها على تحمّل هذه الأعباء وحدها».
ومن هنا ربط سلام بين المشاريع التي تطلقها الحكومة وبين الاتصالات الدولية لتأمين التمويل، مؤكداً أن العمل على إعادة الإعمار بدأ عملياً، لكنه يحتاج إلى موارد تتجاوز قدرات الخزينة اللبنانية.
وتأتي المناقصات الـ23 في هذا السياق، باعتبارها ترجمة عملية لتعهد الحكومة بالانتقال من مرحلة مسح الأضرار والوعود إلى مرحلة تنفيذ مشاريع في النبطية ومحيطها.
الدولة في مواجهة الفراغ
رسالة سلام في النبطية تقوم، إذاً، على مسارين متوازيين: إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإعادة بناء حضور الدولة نفسها.
فعودة المؤسسات الرسمية إلى العمل، وتعزيز حضور الأجهزة الأمنية والجيش، وإطلاق مشاريع البنية التحتية، ليست بالنسبة إلى رئيس الحكومة ملفات منفصلة.
إنها، وفق منطقه، جزء من عملية واحدة هدفها تثبيت السكان في أرضهم، وإعادة الحياة إلى المدن والبلدات الجنوبية، وإنهاء حالة انتظار ما ستقرره القوى الإقليمية، وصولاً إلى حصر القرار السيادي بيد الدولة.
ومن هنا اكتسبت عبارته عن «جيش واحد» و«قرار واحد» أهمية سياسية تتجاوز المناسبة الإنمائية.
ففي النبطية، حيث كان حزب الله لسنوات صاحب النفوذ العسكري والسياسي الأبرز، يطرح سلام معادلة مختلفة: الدولة هي الضمانة، والجيش هو المؤسسة الأمنية الشرعية، وقرار الحرب والسلم يجب أن يكون قراراً لبنانياً واحداً.
وبينما أعلن عن 23 مناقصة لإعادة إعمار قضاء النبطية، كان خطابه السياسي يقول في المقابل إن إعادة بناء الجنوب لا تنفصل عن إعادة بناء الدولة نفسها.
فالهدف، وفق سلام، ليس فقط إعادة إعمار الحجر، بل منع تكرار الظروف التي قادت إلى الحرب، وإخراج لبنان من موقع الساحة التي تدفع ثمن صراعات الآخرين إلى موقع الدولة التي تقرر مصيرها بنفسها.
