دخل التوتر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي مرحلة أكثر حساسية، بعدما وجهت موسكو تحذيراً غير مسبوق إلى الحلف، ملوّحة باستخدام كامل ترسانتها، بما فيها الأسلحة النووية، إذا حاولت دول الناتو عزل جيب كالينينغراد الروسي عن باقي الأراضي الروسية.
وأرسلت موسكو إلى الناتو مذكرة دبلوماسية غير رسمية، اطلعت عليها وكالة «رويترز»، اتهمت فيها الحلف باتباع «مسار خطير وغير مسؤول» ينطوي على مخاطر كبيرة لاندلاع مواجهة عسكرية مباشرة.
وحذرت المذكرة من احتمال أن تشمل المواجهة «ضربات روسية ضد مراكز صنع القرار» في دول أعضاء في الناتو منذ بداية الصراع، مؤكدة أن روسيا ستكون مستعدة لاستخدام «كامل ترسانة القوات والقدرات المتاحة لها، بما في ذلك الأسلحة النووية»، للدفاع عن أراضيها إذا حاولت دول الحلف عزل كالينينغراد عن بقية روسيا.
موسكو: تحذير وليس سعياً إلى المواجهة
وأكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن التحذير الروسي لا ينبغي تفسيره على أنه دعوة إلى المواجهة، قائلاً إن موسكو تهدف إلى ضمان أمن كالينينغراد، وليس إلى التصعيد.
وتقول موسكو إن لديها معلومات تفيد بأن الناتو يستعد لفرض حصار جوي وبحري على الجيب الروسي، فيما لم يعلن الحلف عن خطة من هذا النوع.
وكانت السفارات الروسية في عدد من الدول الأوروبية ق د نشرت في الأيام الماضية بيانات حذرت فيها من أن أي محاولة لعزل كالينينغراد ستكون تصعيداً خطيراً.
وأكدت المتحدثة باسم الناتو أن الحلف تلقى الرسالة الروسية، فيما شدد الأمين العام مارك روته على أن الناتو «تحالف دفاعي»، ودعا موسكو إلى وقف التهديدات النووية.
وقال روته إن رسالة الحلف كانت واضحة: «حافظوا على هدوئكم، وواصلوا العمل كالمعتاد، وواصلوا دعم أوكرانيا». وأضاف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «يعلم أنه لا يستطيع هزيمة الناتو»، في إشارة إلى قدرات الحلف العسكرية.
بوتين: لا خطة لمهاجمة أوروبا
وفي كلمة ألقاها الخميس، قال بوتين إن العالم يمر بلحظة «خطيرة»، لكنه نفى وجود خطة روسية لمهاجمة أي دولة أوروبية.
وقال: «ليس لدينا أي خطة لمهاجمة أي دولة أوروبية»، مؤكداً أن روسيا تريد التعايش السلمي، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن موسكو ستدافع عن كالينينغراد بكل الوسائل المتاحة إذا تعرضت لهجوم مباشر.
وقال بوتين إن استخدام جميع الأسلحة المتاحة لروسيا، بما فيها الأسلحة النووية، سيصبح مطروحاً «حتماً وفوراً» إذا تعرضت الأراضي الروسية لهجوم مباشر.
وتأتي هذه التصريحات بعد يوم واحد من التحذير الروسي للناتو، ما يجعل كالينينغراد محوراً جديداً للتصعيد الكلامي بين موسكو والحلف.
ميرتس: نستعد لهجمات روسية «هجينة»
وفي ألمانيا، حذر المستشار فريدريش ميرتس من تصاعد خطر الهجمات الروسية الهجينة، بما يشمل الهجمات السيبرانية والتخريب والطائرات المسيّرة، مؤكداً أن أوروبا تستعد لرد سريع وواضح.
وقال ميرتس إن أوروبا تواجه احتمال «هجمات هجينة كبيرة» من روسيا، في وقت تؤكد فيه حكومات أوروبية متزايدة أنها تتعامل مع نشاط روسي تعتبره جزءاً من حرب هجينة تستهدف البنية التحتية والأمن الأوروبي.
كالينينغراد… نقطة الاحتكاك الأخطر
تقع كالينينغراد على بحر البلطيق بين بولندا وليتوانيا، وهما عضوان في الناتو، ما يجعلها واحدة من أكثر النقاط حساسية في أي سيناريو لمواجهة مباشرة بين روسيا والحلف.
ويُعد الجيب منطقة عسكرية روسية شديدة الأهمية، ويضم أسطول البلطيق ومنظومات صاروخية من طراز «إسكندر» قادرة على حمل رؤوس نووية.
كما ترتبط كالينينغراد بممر «سوالكي» البري بين بولندا وليتوانيا، وهو شريط استراتيجي يفصل الجيب الروسي عن بيلاروسيا الحليفة لموسكو. ولذلك لطالما اعتُبر هذا الممر أحد أكثر النقاط حساسية في أي مواجهة مح تملة بين روسيا والناتو.
وتزايدت التوترات في بحر البلطيق خلال الأشهر الماضية مع تكثيف الناتو تدريباته وأنشطته البحرية، ولا سيما في إطار حماية البنية التحتية الحيوية والكابلات البحرية.
بالتزامن: مسيّرة روسية تضرب مدرسة في كييف
وفي أوكرانيا، جاء التصعيد العسكري على الأرض بالتزامن مع التصعيد السياسي في أوروبا. فقد ضربت مسيّرات روسية مدرسة في كييف الخميس، ما أدى إلى اندلاع حريق وأضرار مادية، فيما كان الطلاب داخل ملجأ ولم تسجل إصابات بينهم.
وأظهرت تسجيلات كاميرات مراقبة تحققت منها «رويترز» كرة نار لحظة اصطدام إحدى المسيّرات بالطابق الثالث من مبنى المدرسة. كما استهدفت مسيّرات روسية جسراً رئيسياً فوق نهر دنيبرو في كييف، ما أدى إلى أضرار وتعليق حركة النقل عليه.
خطر سوء التقدير
ويرى خبير الأسلحة النووية والدبلوماسي الروسي السابق نيكولاي سوكوف أن تصاعد المساعدات الأوروبية لأوكرانيا والإجراءات العسكرية والعقوبات الغربية يرفع مخاطر الاحتكاك المباشر مع موسكو.
وحذر سوكوف من أن الطرفين يتحركان على مسار تصادمي، وأن الخطر الأكبر قد يكمن في «سوء التقدير» الذي يمكن أن يحول التصعيد السياسي والعسكري إلى مواجهة مفتوحة.
وبينما تصر موسكو على أن تحذيراتها تهدف إلى الردع، يرى مسؤولون غربيون أن استخدام التهديد النووي في سياق كالينينغراد يزيد مخاطر التصعيد.
