تشهد فرنسا في الآونة الأخيرة موجة اهتمام غير مسبوقة بجبن “كانكويوت” التقليدي، وهو منتج يعود تاريخه إلى نحو ألفي عام في منطقة فرانش-كونتيه شرق البلاد، لكنه تحول فجأة إلى نجم جديد على منصات التواصل الاجتماعي بفضل عدد من المؤثرين الذين أعادوا اكتشافه وعرّفوا به جمهورًا واسعًا لم يكن يعرفه من قبل.
ورغم أن “كانكويوت” يُعد جزءًا من التراث الغذائي المحلي في شرق فرنسا، إلا أن شهرته كانت محدودة خارج منطقة إنتاجه. غير أن مقاطع الفيديو التي انتشرت على منصة “تيك توك” خلال الأشهر الأخيرة غيّرت هذا الواقع، لتدفع آلاف المستهلكين إلى البحث عن هذا الجبن وتجربته.
وكان من أبرز من ساهموا في انتشار الظاهرة المؤثر الفرنسي يوهان بابز، الذي حصد أحد مقاطعه أكثر من مليوني مشاهدة بعدما وصف اكتشافه للجبن بأنه غيّر نظامه الغذائي بالكامل. وأوضح أنه كان يعتقد طوال حياته أن “كانكويوت” من الأطعمة الدسمة والغنية بالسعرات الحرارية، قبل أن يكتشف أنه يتمتع بمواصفات غذائية مختلفة تمامًا.
ويتميز الجبن بمحتوى منخفض نسبيًا من الدهون والسعرات الحرارية مقارنة بمعظم الأجبان الفرنسية التقليدية. فكل 100 غرام منه تحتوي في المتوسط على نحو 130 سعرة حرارية فقط، و8 غرامات من الدهون، مقابل 16 غرامًا من البروتين، ما جعله خيارًا مفضلاً لدى المهتمين بالتغذية الصحية وممارسي الرياضة.
ويُصنع “كانكويوت” من حليب الأبقار منزوع الدسم، وهو منتج ثانوي لصناعة الزبدة والقشدة. وبعد سلسلة من مراحل التخمير والتصفية والتعتيق، يُسخن مع الماء والزبدة والملح لينتج جبنًا طريًا قابلاً للدهن يمكن تناوله ساخنًا أو باردًا.
ويجمع الجبن بين قوامه الكريمي ونكهاته المتنوعة التي تتراوح بين الطابع الخميري والفواكه الخفيفة والنكهات الترابية القوية، ما يمنحه شخصية مميزة بين أنواع الجبن الفرنسية.
الاهتمام المتزايد بالمنتج انعكس مباشرة على المبيعات. فقد ارتفع الطلب على “كانكويوت” بنسبة 25% خلال شهر مايو الماضي وحده، فيما سجل بعض المنتجين زيادة في المبيعات وصلت إلى 10% خلال الفترة نفسها، الأمر الذي أدى في بعض الأحيان إلى نفاد المخزونات من الأسواق.
وتقول جولي موران، رئيسة جمعية الترويج لجبن “كانكويوت”، إن المنتج كان يُنظر إليه لسنوات طويلة على أنه “قديم الطراز”، لكنه شهد تحولًا تدريجيًا في صورته خلال السنوات الأخيرة. وقد ارتفعت مبيعاته بنحو 35% خلال السنوات السبع الماضية، قبل أن تمنحه منصات التواصل الاجتماعي دفعة إضاف ية غير مسبوقة.
وفي عام 2022 حصل الجبن على علامة المؤشر الجغرافي المحمي الأوروبية، وهي شهادة تؤكد ارتباط المنتج بمنطقة إنتاجه التقليدية وتحمي هويته المحلية.
ولم تقتصر شهرة “كانكويوت” على فرنسا فقط، إذ بدأت تظهر مؤشرات على اهتمام خارجي به، مع تلقي المنتجين أول استفسارات تتعلق بإمكانية تصديره إلى الولايات المتحدة.
ويتوفر اليوم أكثر من 20 نوعًا مختلفًا من “كانكويوت”، مع نكهات متعددة تشمل الثوم والبصل والمكسرات والبيستو والكمأة والنبيذ الأبيض، ما يتيح للمستهلكين خيارات واسعة تناسب مختلف الأذواق.
وبينما يفضّل سكان منطقة فرانش-كونتيه تناوله ساخنًا فوق البطاطس المشوية والنقانق المدخنة، أو دهنه على الخبز في وجبة الفطور، يبدو أن هذا الجبن العريق نجح أخيرًا في الانتقال من منتج محلي محدود الانتشار إلى ظاهرة غذائية عصرية تجذب اهتمام المستهلكين داخل فرنسا وخارجها.
