"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

مسرحية "خيال صحرا"... من جبهات الحرب إلى واجهات المصارف: ذاكرة وطنٍ عالق في دائرة الخيبات

كريستين نمر
الجمعة، 7 أغسطس 2026

مسرحية "خيال صحرا"... من جبهات الحرب إلى واجهات المصارف: ذاكرة وطنٍ عالق في دائرة الخيبات

على خشبة مسرح كازينو لبنان، تقدّم مسرحية «خيال صحرا» حكاية قنّاصَيْن جمعتهما الحرب وفرّقتهما السياسة والطائفية: «أبو مطوى»، ابن بيروت الغربية (جورج خباز)، و«أبو الزوز»، ابن الأشرفية (عادل كرم). شخصيتان تقفان على طرفي خطّ التماس، تحمل كلّ منهما رواية مختلفة عن الوطن والانتماء والعدو، قبل أن تكتشفا تدريجيًا أن ما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرّقهما، وأن الانقسامات التي مزّقت البلاد لم تكن سوى صناعة سياسية نجحت في تحويل الجار إلى عدو.

ينطلق العمل الذي مدته ٨٠ دقيقة (من دون استراحة) عقب هدنة مؤقتة أعلنت عبر تلفزيون لبنان على لسان كبار مذيعي تلك الحقبة عرفات حجازي ، حيث يجد القناصان نفسيهما في مواجهة مباشرة، لا بالسلاح فقط، بل بالأفكار والصور النمطية التي زرعتها الحرب في وعي اللبنانيين.

كيمياء استثنائية بين خباز وكرم

تكمن إحدى أبرز نقاط قوة المسرحية في التفاعل بين جورج خباز وعادل كرم. فالثنائي ينجح في الانتقال بسلاسة بين الكوميديا والدراما، ويمنح الحوار حيوية تجعل الجمهور شريكاً في الرحلة العاطفية والفكرية للعمل.

كما تشكل الأغنيات إحدى أبرز محطات العرض. فالكلمات التي كتبها خباز تحمل أسلوبه المعروف: شعر بسيط، ساخر، وناقد في آن، ينجح في تمرير الرسائل السياسية والاجتماعية بطريقة غير مباشرة، فيما جاءت الموسيقى، التي ألّفها خباز ووزعها لوكاس صقر، عنصرًا أساسيًا في بناء المزاج المسرحي.

نقطة الضعف: الوقوع في فح الكليشيه

رغم جودة الأداء، لا يخلو النص من بعض الثغرات، إذ يقع في بعض المراحل في فخ الصور النمطية المرتبطة بالحرب الأهلية، خصوصًا في تناول ثنائية «الشرقية» و«الغربية» والانقسام الطائفي، وهي موضوعات تناولتها أعمال لبنانية كثيرة سابقًا.

لكن خباز لا يقدّم هذه الصور بوصفها حقائق، بل يحاول تفكيكها عبر السخرية. فالتنافس على الرموز الدينية والثقافية والاجتماعية سرعان ما ينهار أمام ذكريات الجيران الذين كانوا يعيشون معًا قبل أن تفصل بينهم الحواجز والخطابات السياسية. وهنا تتحول الهوية الطائفية من مصدر فخر إلى عبء صنعته الحرب.

الشاشة… ذاكرة ثالثة على الخشبة

تأتي الشاشة العملاقة التي ترافق العرض كأحد أبرز عناصره البصرية. فهي لا تؤدي وظيفة توثيقية فقط، بل تتحول إلى شخصية ثالثة تستعيد محطات أساسية من تاريخ لبنان: الحرب الأهلية، مرحلة إعادة الإعمار، التحرير عام ٢٠٠٠، الاغتيالات السياسية، حرب تموز، انتفاضة ١٧ تشرين والانهيار الاقتصادي.

هذا الأرشيف المصور لا يكتفي بتذكير الجمهور بالماضي، بل يدفعه إلى إعادة قراءة الأحداث، وكأن المسرحية تضع التاريخ نفسه على خشبة المسرح لمحاسبة الحاضر.

وفي المقابل، كان توظيف الرقص والغناء والخيال المسرحي وسيلة ناجحة لكسر الملل الذي تسلّل أكثر من مرة الى المشاهد.

من قناص إلى حارس المصرف

الذروة الدرامية في «خيال صحرا» لا تأتي مع صوت الرصاص، بل مع صمت النهاية.

فالقناصان اللذان حملا السلاح دفاعًا عن قضايا ظنا أنها ستصنع مستقبلًا أفضل، ينتهيان حارسين أمام مصرف.

إنها صورة تختصر مسار جيل كامل: الانتقال من حرب البنادق إلى حرب المال، ومن حماية المتاريس إلى حماية مؤسسات ارتبط اسمها في ذاكرة اللبنانيين بالأزمة المالية وضياع الودائع.

الضربة القاضية

أما الضربة الدرامية الأقوى في المشهد الأخير، فتأتي حين يكتشف «أبو مطوى» أن «أبو الزوز»، الذي رافقه طوال المسرحية، ليس سوى شبح لصديق قُتل قبل سنوات.

في تلك اللحظة ينهار البناء الكوميدي، ويتحول الضحك إلى محاولة لمواجهة حقيقة مؤلمة. فالجملة التي ينطق بها “أبو مطوى” تمثّل مأساة جيل كامل: «يا ريت أنا كمان متلك… متت، على القليلة كنت مت وأنا بعدني مصدّق إنو في شي رح يتغيّر”.

“خيال صحرا” ليست أفضل نصوص جورج خباز من حيث البناء الفكري، إذ تتسلل إليها أحيانًا بعض التكرارات والكليشيهات، لكنها من أكثر أعماله اكتمالًا على مستوى التنفيذ المسرحي. فالأداء المتقن، والموسيقى، والصور البصرية، والإخراج المتماسك، تجعل منها تجربة تتجاوز حدود الكوميديا لتصبح قراءة مؤلمة في ذاكرة بلد لم ينجح بعد في الخروج من دوامة أزماته.

قد يرى البعض أن نظرة المسرحية شديدة التشاؤم، فيما يراها آخرون انعكاسًا صادقًا لواقع لبناني ما زال يعيد إنتاج أخطائه. لكن الرسالة الأوضح التي تتركها «خيال صحرا» هي أن أخطر ما يمكن أن يصيب شعبًا ليس الحرب وحدها، بل الاعتياد عليها حتى وإن تغيرت أشكالها.

المقال السابق
تصعيد أمني في السويداء: اشتباكات وسقوط ثلاثة قتلى وسط استنفار محلي
كريستين نمر

كريستين نمر

محرّرة وكاتبة

مقالات ذات صلة

ثلاث عادات في منتصف العمر قد تؤخر الإصابة بالخرف والزهايمر لأكثر من عقد

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية