في وقت صار فيه الهاتف الذكي حاضرًا في يد معظم الأطفال والمراهقين، بدأت إسرائيل تتعامل مع استخدام هذه الأجهزة ومنصات التواصل الاجتماعي باعتباره قضية تتعلق بصحة الطفل ونموه، وليس مجرد قرار يترك للأهل وحدهم.
فقد أوصت وزارة الصحة الإسرائيلية بتأخير إعطاء الطفل هاتفًا ذكيًا حتى سن 13 عامًا، وبالانتظار حتى سن 15 عامًا قبل السماح له بالاستخدام المستقل لوسائل التواصل الاجتماعي لأغراض الترفيه ونشر المحتوى.
أما تطبيقات التواصل الخاص، مثل WhatsApp، فيمكن استخدامها في سن أصغر، وفق التوصيات، شرط أن يكون الطفل مستعدًا لذلك وأن تكون هناك قواعد واضحة وإشراف من الأهل.
قد تبدو الأرقام للوهلة الأولى مجرد تفاصيل، لكن خلفها نقاش أكبر: متى يصبح الطفل مستعدًا لدخول عالم رقمي مفتوح على هذا الحجم من المحتوى والتفاعل؟
ليست المشكلة في الهاتف وحده
الهاتف بحد ذاته ليس عدوًا للأطفال. فهو أداة للتعلم والتواصل والوصول إلى المعلومات، ويمكن أن يكون مفيدًا جدًا إذا استُخدم بطريقة صحيحة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الهاتف إلى جزء أساسي من حياة الطفل، وتصبح وسائل التواصل مصدره الرئيسي للترفيه والتفاعل وحتى تقييم نفسه والآخرين.
فالمراهق اليوم لا يفتح TikTok أو Instagram لمشاهدة مقطع واحد فقط. وراء كل فيديو آخر، ثم آخر، ثم إشعار، وتعليق، وإعجاب، وحساب جديد.
ومع الوقت، يمكن أن يصبح البقاء بعيدًا عن الشاشة أكثر صعوبة.
طفل يقارن نفسه بآلاف الأشخاص
قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كانت المقارنة الاجتماعية بالنسبة للطفل تحصل بشكل أساسي داخل المدرسة أو بين أفراد العائلة والمحيط.
اليوم، يمكن لطفل واحد أن يقارن نفسه يوميًا بمئات الأشخاص.
الشكل، الملابس، الجسم، الأصدقاء، السفر، أسلوب الحياة وحتى عدد الإعجابات.
والمشكلة أن ما يراه على الشاشة ليس الحياة كما هي، بل نسخة منتقاة منها. صور معدلة، لحظات سعيدة، أجسام مثالية وحياة تبدو في كثير من الأحيان خالية من المشاكل.
وهذا النوع من المقارنة يصبح أكثر حساسية خلال فترة المراهقة، وهي المرحلة التي يبدأ فيها الطفل أصلًا بتكوين صورته عن نفسه.
والنوم يدفع الثمن أيضًا
هاتف الطفل لا ينتهي دوره عندما يحين موعد النوم.
إشعار وا حد قد يدفعه إلى فتح التطبيق، ومحادثة قد تمتد لنصف ساعة إضافية، وفيديو قصير قد يتحول إلى ساعة كاملة من التمرير.
ومع تكرار الأمر، لا تصبح المشكلة في الهاتف فقط، بل في الساعات التي يخسرها الطفل من نومه.
وقلة النوم تنعكس بدورها على التركيز والمزاج والتعلم والنشاط خلال النهار.
ولهذا فإن الحديث عن وقت الشاشة لا يمكن فصله عن السؤال الأهم: ماذا يأخذ الهاتف من حياة الطفل؟
أين يقف العالم العربي؟
هنا تبرز فجوة تستحق النقاش.
في الدول العربية، هناك بالتأكيد مبادرات وقوانين وحملات تتعلق بحماية الأطفال على الإنترنت، لكن النقاش العام حول العمر المناسب للهاتف الذكي، والسن المناسبة لدخول وسائل التواصل الاجتماعي، وتأثير الاستخدام الطويل على الطفل لا يزال أقل حضورًا مما تفرضه سرعة انتشار هذه التكنولوجيا.
الهاتف وصل إلى أيدي الأطفال بسرعة كبيرة، بينما لم يصل النقاش حول كيفية استخدامه بالسرعة نفسها.
وفي كثير من العائلات، تبدأ المواجهة بعد ظهور المشكلة: تراجع في الدراسة، سهر، عصبية، تعلق بالهاتف أو تعرض لمحتوى غير مناسب.
لكن السؤال الأهم يجب أن يُطرح قبل ذلك.
هل الطفل مستعد أصلًا لهذا العالم؟
لا يمكن ترك الأهل وحدهم في المواجهة
المسألة ليست أن نمنع الأطفال من استخدام التكنولوجيا بشكل كامل. هذا غير واقعي، وقد يكون ضارًا أيضًا في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من التعليم والعمل والحياة اليومية.
لكن هناك فرقًا بين أن يتعلم الطفل استخدام التكنولوجيا، وبين أن يحصل في سن مبكرة على هاتف يفتح أمامه عالمًا كاملًا من دون حدود واضحة.
وهنا يمكن للمجتمعات العربية أن تستفيد من النقاش الدائر في دول أخرى، ليس بهدف تقليدها، وإنما لطرح أسئلتها الخاصة.
هل نحتاج إلى توصيات واضحة للأهل؟
هل يجب أن يكون هناك توعية أكبر في المدارس؟
هل يعرف الأهل فعلًا ماذا يشاهد أطفالهم على المنصات؟
وهل نناقش وقت الشاشة فقط، أم يجب أن نهتم أيضًا بنوع المحتوى الذي يتعرض له الطفل؟
التكنولوجيا ليست المشكلة الوحيدة
في النهاية، لا يمكن تحميل الهاتف كل مشاكل الأطفال والمراهقين.
الطفل يحتاج إلى النوم، والرياضة، والأصدقاء، والهوايات، والوقت مع عائلته، والتجارب التي تحصل خارج الشاشة.
وكل ساعة إضافية على الهاتف تعني بالضرورة وقتًا أقل لشيء آخر.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الصحيح: «متى نعطي الطفل هاتفًا؟»
بل: «متى يصبح الطفل قادرًا على استخدامه من دون أن يسيطر الهاتف على يومه؟»
إسرائيل اختارت أن تضع سنًا وتوصيات واضحة أمام هذه المسألة. أما عربيًا، فالتحدي الحقيقي هو أن نبدأ النقاش بجدية، قبل أن يصبح الجيل الجديد أكبر من أن نعلّمه كيف يستخدم العالم الرقمي الذي دخل حياته منذ طفولته
