عندما يمر شخص نحبه بوقت عصيب، نرغب غريزياً في مساعدته وتخفيف ألمه. لكن في كثير من الأحيان، لا نعرف ماذا نقول. وقد نلجأ إلى عبارات تبدو مطمئنة، مثل: «لا تقلق، الأمر ليس بهذا السوء»، أو «غداً سيكون كل شيء أفضل»، أو حتى «اهدأ».
ورغم أن هذه الكلمات تنطلق من نية طيبة، فإنها قد تأتي بنتيجة عكسية، لأنها تجعل الشخص يشعر بأن مشاعره غير مفهومة أو يجري التقليل من أهميتها.
في المقابل، هناك أشخاص يتمتعون بقدرة لافتة على مواساة الآخرين. هم لا يقدمون حلولاً سحرية ولا يملكون إجابات لكل مشكلة، لكنهم يعرفون كيف يجعلون الشخص المقابل يشعر بأنه مسموع ومفهوم وغير وحيد.
وبحسب علم النفس، فإن هذه القدرة لا ترتبط بالضرورة بموهبة فطرية، بل بطريقة مختلفة في الاستماع والتفاعل مع مشاعر الآخرين. فقبل محاولة حل المشكلة، يحتاج الإنسان في لحظات ضعفه غالباً إلى أن يشعر بأن ما يعيشه ومشاعره تجاهه أمران مشروعان.
1. «أفهم أن هذا الأمر صعب عليك»
هذه العبارة البسيطة تحمل قدراً كبيراً من التعاطف. فهي لا تحاول إنكار الألم أو التقليل منه، بل تعترف بأن ما يمر به الشخص ليس سهلاً.
عندما يشعر الإنسان بأن الطرف الآخر يفهم صعوبة تجربته، يصبح أكثر استعداداً للتعبير عما بداخله، بدلاً من الشعور بأنه مضطر إلى إخفاء مشاعره.
2. «أنا هنا إلى جانبك»
في لحظات الأزمات، لا يحتاج الإنسان دائماً إلى نصيحة أو حل فوري. أحياناً يكون كل ما يحتاج إليه هو معرفة أن هناك شخصاً مستعداً للبقاء إلى جانبه.
عبارة «أنا هنا إلى جانبك» تمنح شعوراً بالأمان والدعم، وتقول بطريقة غير مباشرة: «لست مضطراً إلى مواجهة هذا الأمر وحدك.»
3. «من حقك أن تشعر بهذا»
الحزن والغضب والخوف والارتباك كلها مشاعر طبيعية، حتى عندما لا نفهم سببها بالكامل.
بدلاً من مطالبة الشخص بالتوقف عن الحزن أو «التفكير بإيجابية»، يمكن أن يكون الاعتراف بمشاعره أكثر فائدة. فإخباره بأن من حقه أن يشعر بما يشعر به يساعده على تقبل مشاعره بدلاً من مقاومتها.
4. «هل تريدني أن أستمع إليك أم نبحث عن حل معاً؟»
هذه من أكثر العبارات ذكاءً في لحظات المواساة، لأنها لا تفترض مسبقاً ما يحتاج إليه الشخص.
فقد يكون بحاجة إلى الحديث وإخراج ما في داخله فقط، بينما قد يرغب في أوقات أخرى في الحصول على رأي أو مساعدة عملية. منحه الخيار يجعله يشعر بأن احتياجاته هي محور الحديث.
5. «كيف تشعر بالضبط؟»
بدلاً من الاكتفاء بسؤال عام مثل «هل أنت بخير؟»، يمكن لسؤال أكثر تحديداً أن يفتح الباب أمام حديث أعمق.
قد يكون الشخص حزيناً أو غاضباً أو خائفاً أو يشعر بالخذلان، وأحياناً لا يعرف حتى كيف يصف ما بداخله. منحه الوقت والمساحة للتعبير يساعده على فهم مشاعره بنفسه أيضاً.
6. «ما الذي يمكن أن يجعلك تشعر بتحسن الآن؟»
هذه العبارة تعيد التركيز إلى احتياجات الشخص في اللحظة الراهنة.
ربما يحتاج إلى عناق، أو إلى بعض الوقت بمفرده، أو إلى الحديث، أو حتى إلى الخروج من المنزل وتغيير الأجواء. المهم ألا نفترض أن ما يريحنا نحن هو بالضرورة ما يحتاج إليه الآخر.
لا تحاول دائماً إصلاح كل شيء
من أكثر الأخطاء شيوعاً عندما نحاول مواساة شخص ما، أن نبحث فوراً عن حل. نريد أن نراه بخير، ولذلك نسارع إلى تقديم النصائح والاقتراحات.
لكن بعض المشاعر لا تحتاج إلى «إصلاح» فوري. أحياناً يحتاج الإنسان أولاً إلى أن يعيش حزنه، وأن يجد شخصاً يستمع إليه من دون إصدار الأحكام.
لهذا قد تكون عبارات مثل «الأمر ليس خطيراً»، أو «عليك أن تتجاوز الأمر»، أو «هناك أشخاص يعانون أكثر منك» غير مفيدة، حتى لو قيلت بحسن نية. فهي قد تجعل الشخص يشعر بأن ألمه مبالغ فيه أو غير مهم.
الاستماع أهم من مقارنة التجارب
عندما يخبرنا شخص عن مشكلة يمر بها، قد يكون ردنا التلقائي: «حدث لي الأمر نفسه». لكن رغم أن الهدف قد يكون إظهار التعاطف، فإن هذه الطريقة قد تحول التركيز من مشاعر الشخص إلى تجربتنا نحن.
المواساة الحقيقية لا تحتاج إلى منافسة في الألم ولا إلى مقارنة بين التجارب. يكفي أحياناً أن نستمع باهتمام، وأن نطرح سؤالاً مناسباً، وأن نمنح الشخص المساحة التي يحتاج إليها.
في النهاية، أفضل من يجيدون مواساة الآخرين ليسوا أولئك الذين يملكون الإجابات دائماً، بل أولئك الذين يعرفون كيف يكونون حاضرين عندما لا توجد إجابات سهلة.
فكلمة صادقة، واستماع من دون مقاطعة، واعتراف بمشاعر الآخر، قد تكون أحياناً أكثر قيمة من عشرات النصائح.
