أحياناً تكشف صورة واحدة أكثر مما تستطيع مئات الكلمات أن تشرحه.
صورة وسيم أبو العباس، الشاب القادم من الحسكة إلى دمشق لتلقّي العلاج وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة، كانت في ظاهرها مجرد صورة عادية. شاب يقف بالقرب من السيف الدمشقي، ويوثّق لحظة من وجوده في العاصمة. لا أكثر ولا أقل.
لكن ما حدث بعد نشر الصورة لم يكن عادياً.
انهالت على وسيم تعليقات ساخرة وتنمّر طال شكله وملابسه، وكأن مجرد اختلافه في المظهر أو انتمائه إلى منطقة مختلفة يمنح الآخرين حق السخرية منه.
وهنا لا تعود القصة مرتبطة بوسيم وحده.
القضية أعمق بكثير.
ما الذي يجعلنا نعتقد أن الإنسان الذي لا يشبهنا أقل قيمة منا؟
لماذا يتحول اختلاف اللهجة أو الملابس أو البيئة أو المستوى المعيشي إلى مبرر للتعليق والسخرية؟ ولماذا أصبح من السهل على البعض أن يطلق حكماً قاسياً على شخص لا يعرف عنه شيئاً، لمجرد أنه ظهر أمامه في صورة لم تعجب ذوقه “الرفيع”؟
وسيم لم يفعل شيئاً يستحق الاعتذار عنه.
كان يرتدي ملابس عادية بالنسبة إليه ولبيئته ولتقاليد مجتمعه، كما يرتدي كل إنسان ما اعتاد عليه وما يستطيع تحمّل تكلفته. ولم يكن مطلوباً منه أن يغيّر مظهره حتى يصبح مقبولاً في مدينة أخرى، أو حتى يحصل على حقه الطبيعي في الاحترام.
البساطة ليست عيباً. والفقر ليس عيباً. والانتماء إلى الريف ليس عيباً. والاختلاف ليس عيباً.
العيب الحقيقي هو أن نستخدم شكل وثياب الآخرين لإشعارهم بأنهم أقل منّا.
التنمّر من أكثر السلوكيات قسوة؛ لأنه لا يحتاج إلى شجاعة. يكفي أن تجلس خلف شاشة، وأن تكتب جملة قد تستغرق منك ثواني، بينما قد يحتاج الشخص الذي تلقّاها وقتاً طويلاً حتى يتجاوز أثرها.
وربما لا نعرف أبداً ما الذي يمر به الشخص الذي نسخر منه.
لا نعرف ظروفه، ولا معاناته، ولا السبب الذي جعله يرتدي هذه الملابس، ولا الرحلة التي قادته إلى المكان الذي نراه فيه. نحن نرى صورة واحدة، ثم نتخيل أننا نعرف القصة كلها.
وهذا أحد أسوأ أوهام مواقع التواصل الاجتماعي.
حملة مضادة قادتها وزارة الاعلام
بعد حملة التنمر، انطلقت حملة مضادة شاركت فيها المؤسسة العربية للإعلان، وأُعيد نشر صورته على نطاق واسع، قبل أن تصل صورته إلى اللوحات الإعلانية في دمشق تحت عبارة بسيطة ومعبّرة:
« ابن الحسكة نورت الشام».
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد شعار، لكنها في هذا السياق تحمل معنى أكبر.
فهي تقول لوسيم، ولغيره ممن قد يشعرون يوماً بأنهم غرباء بسبب مظهرهم أو منطقتهم أو ظروفهم: أنت مرحّب بك كما أنت.
وهذا بالضبط ما نحتاج إليه اليوم.
نحتاج إلى أن نتعلم احترام الناس في اختلافهم، لا أن نحاول تحويلهم إلى نسخ تشبهنا.
سوريا ليست مدينة واحدة، ولا لهجة واحدة، ولا لباساً واحداً، ولا بيئة اجتماعية واحدة. قوتها الحقيقية كانت دائماً في هذا التنوع، وفي قدرة أبنائها على أن يكونوا مختلفين وينتموا في الوقت نفسه إلى المكان نفسه.
ولذلك، فإن صورة وسيم ليست قصة عن شاب تعرّض للتنمر وحسب.
إنها اختبار صغير لنا جميعاً.
اختبار لطريقة نظرنا إلى الإنسان عندما يكون بسيطاً، وإلى الآخر عندما لا يشبهنا، وإلى الفقير عندما يظهر أمامنا، وإلى ابن الريف عندما يدخل المدينة.
والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا ليس: لماذا كان وسيم يرتدي هذه الملابس؟
بل..لماذا شعر بعضنا أن من حقه السخرية منه بسببها؟
ربما آن الأوان أن نفهم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يرتديه، ولا بالمدينة التي جاء منها، ولا بما يملك في جيبه.
قيمة الإنسان في إنسانيته.
وفي النهاية، ربما كانت الصورة التي أراد البعض أن يجعل منها مادة للسخرية، هي نفسها الصورة التي أعادت تذكيرنا بما ينبغي أن نكون عليه:
أن نرى الإنسان قبل أن نرى مظهره، وأن نحترم البساطة بدل أن نسخر منها، وأن نجعل اختلافنا سبباً للتعارف لا للإهانة
