منذ الساعات الأولى اليوم، بدت منصات التواصل الاجتماعي وكأنها فتحت نافذة على حقبة أخرى، فعادت صور الثمانينات لتتصدر المشهد بملابسها المميزة، وتسريحات شعرها اللافتة، وألوانها وملامحها البصرية التي طبعت تلك المرحلة. إلا أن هذه المرة، لم تكن الصور مأخوذة من ألبومات قديمة، بل صُنعت بالذكاء الاصطناعي، الذي مكّن المستخدمين من تحويل صورهم الحديثة إلى لقطات تبدو وكأنها التُقطت قبل نحو أربعة عقود.
وفي ترند جديد يمزج بين التكنولوجيا والنوستالجيا، لجأ مستخدمون إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لتخيّل أنفسهم في أجواء الثمانينات، من الملابس وتسريحات الشعر إلى الإضاءة وجودة الصورة، حتى بدت بعض النتائج وكأنها صور حقيقية من أرشيف تلك الحقبة.
من صورة عادية إلى «رحلة عبر الزمن»
لم تعد العودة إلى الماضي بحاجة إلى صندوق صور قديم أو كاميرا كلاسيكية. وتتيح أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي للمستخدم رفع صورة شخصية وطلب تحويلها إلى نسخة مستوحاة من حقبة زمنية محددة. ويمكن تحديد تفاصيل دقيقة في الوصف، مثل نوع الملابس، تسريحة الشعر، الإكسسوارات، الألوان، مكان التصوير، وحتى شكل الصورة النهائي. وهكذا، قد تتحول صورة سيلفي التُقطت بهاتف ذكي عام 2026 إلى صورة تبدو وكأنها التُقطت في عام 1985 بكاميرا منزلية، مع ألوان باهتة وحبيبات واضحة وآثار الفيلم القديمة.
كيف يمكن تنفيذ الترند؟
التجربة لا تحتاج إلى خبرة في التصميم أو تحرير الصور. ويمكن تنفيذها عبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينها ChatGPT وGemini وغيرها. وتبدأ الخطوات برفع صورة واضحة، ثم كتابة وصف يحدد الحقبة والأسلوب المطلوبين. وكلما كان الوصف أكثر دقة، أصبح بالإمكان التحكم بشكل أفضل بالنتيجة، كأن يطلب المستخدم مثلًا: «حوّل صورتي إلى لقطة فوتوغرافية من عام 1985، مع أزياء مستوحاة من الثمانينات، وتسريحة شعر كبيرة، وإضاءة دافئة وحبيبات فيلم قديم، مع الحفاظ على ملامح الوجه». وبضغطة واحدة تقريبًا، يحصل المستخدم على نسخة جديدة من صورته، جاهزة للمشاركة.
من المستخدمين إلى المشاهير
لم يبقَ الترند محصورًا بالمستخدمين العاديين، بل انتقل سريعًا إلى حسابات المشاهير والفنانين، الذين شارك بعضهم نسخًا متخيلة لأنفسهم في أجواء الثمانينات، ما ساهم في توسيع دائرة التفاعل معه. كما بدأت تظهر نسخ مختلفة من الفكرة، تنتقل بين الثمانينات والتسعينات وتستعيد أنماطًا بصرية وملابس وتسريحات مرتبطة بكل حقبة، ليصبح الترند مساحة مفتوحة للعب بالهوية والصورة والذاكرة.
لماذا انتشر بهذه السرعة؟
نجاح الترند لا يرتبط فقط بقدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج صور جذابة، بل يجمع عدة عناصر تجعل المحتوى قابلًا للانتشار: أولًا، سهولة المشاركة. لا يحتاج المستخدم إلى برنامج معقد أو مهارات في التصميم؛ صورة واحدة ووصف بسيط قد يكونان كافيين.
ثانيًا، الحنين إلى الماضي. الثمانينات ليست مجرد فترة زمنية، بل تحمل هوية بصرية واضحة؛ من الألوان والأزياء إلى الموسيقى والثقافة الشعبية. وعندما يرى المستخدم نفسه داخل هذه البيئة، تتحول التجربة من تعديل صورة إلى نوع من السفر الافتراضي عبر الزمن.
ثالثًا، عنصر المفاجأة. النتيجة ليست مجرد «فلتر»، بل صورة جديدة قد تبدو في بعض الأحيان واقعية إلى درجة تجعل المشاهد يتساءل للوهلة الأولى عما إذا كانت قديمة فعلًا.
رابعًا، قابلية المقارنة والمشاركة. من السهل أن ينشر المستخدم صورته الحالية إلى جانب نسخته المفترضة في الثمانينات، ثم يدعو أصدقاءه لخوض التجربة نفسها. وهنا يتحول المحتوى الفردي بسرعة إلى تحدٍّ جماعي.
عندما تصبح النوستالجيا صناعة رقمية
الأهم في هذا الترند أنه يكشف تحولًا أوسع في طريقة استخدام الناس للذكاء الاصطناعي. فبعدما ارتبطت أدوات الذكاء الاصطناعي لفترة طويلة بالكتابة، والإنتاجية، والبحث، بدأت تتحول بشكل متزايد إلى أدوات لصناعة التجارب الشخصية. المستخدم لم يعد يكتفي بمشاهدة صورة من الماضي، بل أصبح قادرًا على وضع نفسه داخل ذلك الماضي. وهذه النقطة تحديدًا تفسر جاذبية التجربة: الذكاء الاصطناعي لا يعيد إنتاج الثمانينات فقط، بل يعيد صياغتها بما يتناسب مع خيال كل مستخدم
