"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

فرساي… هل كان ترامب يوقّع اتفاقاً أم يوقّع انتصاراً؟

رئيس التحرير: فارس خشّان
الخميس، 18 يونيو 2026

هذه الافتتاحية بالصوت والصورة أيضا

لم يكن الخبر الأهم أن دونالد ترامب وقّع مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية. الخبر الأهم ربما كان المكان الذي اختاره للتوقيع.

في السياسة، ليست الأمكنة مجرد خلفيات للصور التذكارية. القادة يختارون مواقعهم بعناية، خصوصاً عندما يريدون أن يوجّهوا رسائل تتجاوز الكلمات المكتوبة في الاتفاقات. ولذلك يصعب التعامل مع ما جرى في قصر فرساي باعتباره مجرد مصادفة فرضتها دعوة عشاء وجّهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى ضيفه الأميركي بعد قمة الدول السبع.

ماكرون أراد استضافة ترامب في المكان الذي يعرف أنه يستهويه. فرساي بالنسبة إلى الرئيس الأميركي ليس مجرد قصر تاريخي. هو نموذج عن العظمة والقوة والبذخ الإمبراطوري الذي طالما أبدى إعجابه به. حتى إنه قال خلال زيارته السابقة للقصر إن المرء يرى هناك “الذهب الحقيقي” لا الذهب المطلي.

لكن ما بدأ كمحاولة فرنسية لاستمالة ترامب وإعادة ترميم بعض ما تصدّع في العلاقات عبر الأطلسي، انتهى إلى مشهد مختلف تماماً. فالرئيس الأميركي فاجأ مضيفيه، وفاجأ حتى بعض المسؤولين الفرنسيين، عندما وقّع مذكرة التفاهم مع إيران داخل فرساي نفسه، ثم سمح بتسريب صورة التوقيع ونشرها على نطاق واسع.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل خطرت الفكرة لترامب عندما وصل إلى القصر؟ أم أنه ذهب إلى فرساي وهو يعلم مسبقاً أن التوقيع سيتم هناك؟ وهل كان القصر مجرد مكان مناسب، أم أنه كان جزءاً من الرسالة نفسها؟

يصعب الجزم بالإجابة. لكن من الصعب أيضاً تجاهل الرمزية.

ففرساي ليس اسماً عادياً في التاريخ السياسي العالمي. عندما يُذكر القصر، تستحضر الذاكرة فوراً معاهدة فرساي التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، بكل ما حملته من معاني انتصار طرف وفرض شروطه على طرف آخر. صحيح أن الظروف مختلفة تماماً، وأن المقارنة التاريخية المباشرة قد تكون مبالغاً فيها، لكن السياسة لا تعيش على الوقائع وحدها. إنها تعيش أيضاً على الرموز والصور والانطباعات.

ومن يعرف ترامب يدرك أن الرمزية بالنسبة إليه ليست تفصيلاً ثانوياً. طوال مسيرته السياسية، أظهر اهتماماً استثنائياً بالصورة التي تصل إلى الجمهور. أحياناً بدت الصورة أهم من النص، والمشهد أهم من التفاصيل. لذلك قد لا يكون مستغرباً أن يختار مكاناً يحمل هذا الثقل التاريخي ليضع توقيعه على اتفاق يريد تقديمه للرأي العام الأميركي والعالمي باعتباره إنجازاً شخصياً وانتصاراً سياسياً.

لا يعني ذلك بالضرورة أن إيران هُزمت كما هُزمت ألمانيا عام 1919، ولا أن الاتفاق يشبه معاهدة استسلام. لكن اختيار المكان يسمح لترامب بأن يوحي بشيء من هذا المعنى من دون أن يقوله صراحة. فالصورة أحياناً تنقل ما لا تستطيع الكلمات قوله.

لهذا ربما ينبغي التوقف عند فرساي أكثر مما ينبغي التوقف عند المذكرة نفسها. فالنصوص يمكن أن تتغير، والاتفاقات يمكن أن تُعدّل أو تُنقض أو يُعاد التفاوض عليها. أما الرمزية التي أراد ترامب أن يخلّدها بصورة التوقيع، فقد تكون الرسالة الأوضح التي أراد إيصالها إلى العالم: أنا الرجل الذي أجبر إيران على التوقيع.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كان ترامب يوقّع اتفاقاً في فرساي، أم كان يوقّع رواية انتصار يريد للتاريخ أن يتذكرها؟

تابعوا كل معطيات هذه الافتتاحية، بالصوت والصورة، بالنقر هنا

المقال السابق
ترامب لنتنياهو «توقف عن تفجير المباني»… والعلاقة بينهما تزداد توتراً
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

تشريح مسودة التفاهم الأميركي – الإيراني

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية