"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

بين الرياضي والحكمة… عندما تتمظهر الطائفية في المدرجات

رئيس التحرير: فارس خشّان
الثلاثاء، 28 يوليو 2026

لم تكن المشكلة في نهائيات بطولة لبنان لكرة السلة بين الرياضي والحكمة. فالمواجهات الكبرى تُولد التوتر، والجماهير في كل أنحاء العالم تعرف كيف ترفع منسوب الانفعال إلى أقصى حدوده. لكن المشكلة بدأت عندما نجح البعض في تحويل سلسلة نهائية على اللقب إلى مواجهة بين طوائف، وكأن لبنان لم يتعلم شيئًا من تاريخه، وكأن الملاعب أصبحت امتدادًا لخطوط التماس التي ظن اللبنانيون أنهم دفنوها.

المشكلة ليست في النادي الرياضي، ولا في نادي الحكمة. فالناديان تجاوزا منذ زمن طويل الصورة النمطية التي حاول البعض إلصاقها بهما، ويضمان في صفوفهما وإدارتيهما وجمهورهما تنوعًا يعكس لبنان الحقيقي أكثر مما يعكس انقساماته. لكن المشكلة تكمن في من يصر على تحميل هذه المواجهات الرياضية ما لا تحتمله، فيسقط عليها انقساماته السياسية والطائفية، ويحوّل الفوز والهزيمة إلى انتصار لطائفة أو هزيمة لأخرى.

صحيح أن ما حصل ليس جديدًا. فقد شهدت مواجهات الرياضي والحكمة، في مراحل مختلفة، مظاهر مشابهة من التشنج والتجييش. إلا أن خطورته اليوم تكمن في مكان آخر. فلبنان يقف عند مفترق طرق، بين من يريد بناء دولة تتقدم على العصبيات، ومن لا يزال أسير الإرث الذي أنتج الحرب والانقسام. وهناك، للأسف، من لم ينجح بعد في الانتقال بروحه إلى لبنان الجديد، ولا يزال متمسكًا بصفحة سوداء يأمل معظم اللبنانيين أن تُطوى إلى غير رجعة.

لهؤلاء، لا تكون المباراة مباراة، بل مناسبة لإحياء ذاكرة الانقسام. ولا يكون الخصم فريقًا منافسًا، بل ممثلًا لهوية أخرى. وهكذا يفقد التشجيع معناه الرياضي، ويتحول إلى تعبير عن انتماء ضيق، فيما تغيب الفكرة التي وُجدت الرياضة من أجلها: التنافس الشريف بين متنافسين تجمعهما قواعد واحدة، ويجمع جمهورهما احترام المنافسة قبل أي اعتبار آخر.

والأخطر أن هذا المنطق لا يبقى محصورًا في المدرجات، بل ينتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُقتطع المشاهد، وتُضخَّم الهتافات، ويُعاد إنتاج الانقسام نفسه بلغة أشد حدة، فتتحول النهائيات من منافسة رياضية إلى ساحة تعبئة واستنفار، ويصبح الاحتقان مادةً للتداول بدل أن يبقى الإنجاز الرياضي هو العنوان.

إن أخطر ما كشفته هذه النهائيات هو أن الرياضة قد تتحول إلى مرآة للتعصب الطائفي إذا تُركت رهينة هذا المنحى. وعندما تصبح الملاعب انعكاسًا للانقسامات التي تمزق الحياة السياسية، فإنها تفقد رسالتها الجامعة، وتغدو شبيهة بالتيارات الطائفية التي تتمرد على الروح الوطنية الساعية إلى بناء لبنان جديد. فالرياضة ليست امتدادًا للصراع السياسي، بل يفترض أن تكون أحد ميادين تجاوزه، ومساحةً يلتقي فيها اللبنانيون حول الكفاءة والموهبة والإنجاز، لا حول الانتماءات الموروثة.

ومن هنا، لا يجوز النظر إلى ما شهدته النهائيات باعتباره مجرد شغب جماهيري أو انفعال عابر. إنه مؤشر ثقافي واجتماعي قبل أن يكون حدثًا رياضيًا أو أمنيًا. فالمجتمعات تُقاس أيضًا بما تعكسه ملاعبها من قيم. وإذا أصبحت المدرجات مكانًا تُستعاد فيه العصبيات القديمة، فهذا يعني أن معركة بناء المواطنة لم تُحسم بعد، وأن هناك من لا يزال يرفض مغادرة لبنان الأمس إلى لبنان الغد.

يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الجميع: أي لبنان نريد أن نراه في ملاعبنا؟ لبنان الذي يتنافس فيه الرياضي والحكمة على بطولة، أم لبنان الذي يبحث في كل مواجهة رياضية عن طائفتين تتواجهان؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل كرة السلة اللبنانية فحسب، بل ستكشف أيضًا ما إذا كان لبنان قد بدأ فعلًا يطوي صفحات ماضيه، أم أنه لا يزال يعيد كتابتها، مرةً بعد أخرى، حتى في ملاعب الرياضة.

المقال السابق
الحظ يبتسم أخيرًا لهذه الأبراج الثلاثة قبل نهاية آب 2026
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

"حزب الله" بين عضلتي اليد واللسان

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية