بالتزامن مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، وقبيل انطلاق أولى الجلسات التفاوضية في سويسرا لوضع آليات التنفيذ، اختارت إسرائيل توجيه رسالة سياسية وعسكرية بالغة الوضوح عبر نشر خريطة جديدة لما تصفه بـ«المنطقة الأمنية» داخل جنوب لبنان.
الخطوة الإسرائيلية لم تكن مجرد عرض لمواقع انتشار القوات داخل الأراضي اللبنانية، بل بدت إعلاناً صريحاً عن واقع أمني جديد تسعى تل أبيب إلى تكريسه على الحدود الشمالية. فالتوقيت وحده يكفي للدلالة على أن إسرائيل أرادت التأكيد لواشنطن وطهران وبيروت معاً أن أي تفاهم أميركي – إيراني لن يغيّر شيئاً في الوقائع التي فرضتها الحرب، وأن الجيش الإسرائيلي سيبقى حيث يعتبر أن أمنه يقتضي البقاء.
البيان المرافق للخريطة يحمل دلالات تتجاوز الجانب العسكري. فالجيش الإسرائيلي لا يتحدث عن عمليات مؤقتة أو انتشار ظرفي، بل يستخدم تعبير «المنطقة الأمنية»، مؤكداً أنه يتمركز داخل مساحة تمتد إلى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية «بناءً على الحاجة العملياتية»، وأنه سيواصل العمل لإزالة التهديدات وضمان أمن مستوطنات الشمال.
هذا التوصيف ينقل المشهد من إطار الحرب المفتوحة إلى إطار الترتيب الأمني طويل الأمد. فإسرائيل لم تعد تتحدث عن مرحلة انتقالية أو عن انسحاب مستقبلي، بل عن واقع تعتبره جزءاً من منظومتها الدفاعية الجديدة.
وتكشف الخريطة أن المنطقة المرسومة لا تستند فقط إلى حدود القرى الجنوبية، بل إلى المرتفعات الحاكمة ومحاور الحركة والأودية الاستراتيجية. وتبرز فيها مناطق العرقوب وجبل الشيخ وجبل الروس ووادي السلوقي ورأس الناقورة، وهي مواقع تمنح من يسيطر عليها أفضلية استخبارية ونارية واسعة. والأكثر دلالة أن إسرائيل أضافت نطاقاً أمنياً بحرياً قبالة الناقورة، ما يعني أن مفهوم الأمن الإسرائيلي بات يمتد من اليابسة إلى الساحل اللبناني.
عسكرياً، تسعى إسرائيل إلى إنشاء منطقة إنذار مبكر متقدمة داخل الأراضي اللبنانية. أما سياسياً، فهي ترسم حدوداً أمنية جديدة تختلف عن الحدود الدولية المعترف بها، بحيث يصبح الدفاع عن الجليل، وفق العقيدة الجديدة، يبدأ من داخل لبنان لا عند الخط الأزرق.
وتكتسب الخطوة أهمية إضافية لأنها تأتي في لحظة إقليمية حساسة. فبينما تتجه واشنطن وطهران إلى تثبيت تفاهم قد يفتح الباب أمام ترتيبات واسعة في المنطقة، تبدو إسرائيل حريصة على تثبيت معادلة موازية مفادها أن الساحة اللبنانية ليست جزءاً من أي صفقة أو مقايضة، وأن الوقائع التي فرضتها الحرب لن تكون موضع تفاوض.
كما تحمل الخريطة رسالة مباشرة إلى حزب الله. فإسرائيل تتصرف على أساس أن البيئة العسكرية التي كانت قائمة قبل الحرب قد انتهت، وأن العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة لم تعد مطروحة. لذلك لا تتحدث عن انسحاب أو إعادة انتشار، بل عن بقاء مفتوح زمنياً تحت عنوان إزالة التهديدات، وهي صيغة تمنحها هامشاً واسعاً للاستمرار في فرض أمر واقع جديد جنوب لبنان.
وبينما تنشغل واشنطن وطهران بتثبيت تفاهمهما التاريخي، تبدو إسرائيل منشغلة بتثبيت حدود أمنية جديدة على الأرض، في إشارة واضحة إلى أن مستقبل جنوب لبنان قد يُرسم على الخرائط العسكرية قبل أن يُرسم على طاولات التفاوض.
