قد لا يكون تصريح الرئيس جوزاف عون الذي وزعه اليوم الثلاثاء، مجرد موقف سياسي عابر مرتبط بالجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية في واشنطن، بل يمكن اعتباره إعلاناً واضحاً عن معركة دبلوماسية يخوضها لبنان الرسمي على جبهتين في آن واحد: ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وضد الوصاية الإيرانية على القرار اللبناني.
أهمية الموقف لا تكمن فقط في تمسك عون بخيار التفاوض، بل في توقيته أيضاً. فالتصريح جاء فيما تتصاعد الضغوط السياسية من جانب حزب الله وحلفائه على السلطة اللبنانية للتراجع عن المفاوضات المباشرة، والتي يصفها الحزب بأنها خيانة وتآمر وانصياع للإرادة الأميركية والإسرائيلية.
لكن عون اختار الاتجاه المعاكس تماماً. فبدلاً من التراجع، أعلن أن “تطورات الأيام الماضية أثبتت صحة خيارنا بالذهاب إلى التفاوض”، في رسالة مباشرة مفادها أن الدولة اللبنانية لن تتخلى عن المسار الذي اختارته، وأن استعا دة الحقوق الوطنية لن تتم إلا عبر المؤسسات الشرعية والدبلوماسية الرسمية.
والأهم أن الرئيس لم يتحدث عن جولة أولى أو مبادرة استثنائية، بل عن جولة جديدة ضمن مسار تفاوضي مستمر، ما يعني أن الدولة اللبنانية باتت تتعامل مع المفاوضات باعتبارها خياراً استراتيجياً لا تكتيكاً ظرفياً يمكن التراجع عنه تحت ضغط الشارع أو القوى السياسية.
غير أن العبارة الأكثر دلالة جاءت في قوله إن لبنان لن يقبل إلا بـ”زوال الاحتلال الإسرائيلي عن جنوب لبنان وبسقوط الوصايات الخارجية معاً”.
في الظاهر تبدو العبارة متوازنة بين عنوانين مختلفين، لكنها في الواقع ترسم حدود المشروع السياسي الذي يحمله عون. فهو يضع الاحتلال الإسرائيلي والوصاية الخارجية في خانة واحدة باعتبارهما وجهين لانتقاص السيادة اللبنانية.
ومن هنا تكتسب الإشارة إلى “الوصايات الخارجية” معناها السياسي المباشر. فالرئيس يتحدث في لحظة تحاول فيها طهران، مدعومة بحزب الله، ربط المسار اللبناني بمفاوضاتها الخاصة مع الولايات المتحدة، والتعامل مع لبنان باعتباره ورقة ضمن شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني.
الرد الرئاسي جاء واضحاً: لبنان يفاوض باسمه هو، لا باسم أي محور إقليمي. وقرار الدولة اللبنانية لا يصدر من طهران كما لا يصد ر من تل أبيب. لذلك فإن المعركة التي يعلنها عون لا تستهدف فقط إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، بل أيضاً إنهاء أي وصاية خارجية على القرار الوطني اللبناني.
بهذا المعنى، لا يدور الخلاف الحقيقي اليوم حول تقنية التفاوض أو شكله، بل حول الجهة التي تمتلك حق التفاوض وحق اتخاذ القرار. فبينما يسعى حزب الله إلى نزع الشرعية عن هذا المسار وربطه بمشاريع خارجية، يحاول عون تكريس معادلة مختلفة عنوانها أن الدولة وحدها هي صاحبة الحق في التفاوض، والدولة وحدها هي المرجعية النهائية في قضايا الحرب والسلم والسيادة.
لذلك يمكن قراءة خطاب الرئيس على أنه إعلان عن حرب دبلوماسية طويلة هدفها المزدوج استعادة الأرض اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، واستعادة القرار اللبناني من أي وصاية خارجية، وفي مقدمتها الوصاية الإيرانية التي باتت موضع مواجهة سياسية مباشرة مع مشروع الدولة.
