لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق الدفاع المشترك في مكة المكرمة مجرد إعلان عن تعاون عسكري بين ثلاث دول. ففي طهران، حيث تتابع القيادة الإيرانية إعادة تشكيل الخريطة الأمنية في الشرق الأوسط، يُنظر إلى الاتفاق باعتباره مؤشراً على احتمال نشوء واقع إقليمي جديد، تتراجع فيه تدريجياً مركزية المظلة الأميركية لمصلحة شبكة من الترتيبات الأمنية الإقليمية.
لكن المفارقة أن إيران لا تبدو، في الوقت الراهن، في حالة ذعر من الاتفاق.
فبحسب تحليل أعدّه الباحث الإسرائيلي المتخصص في الشأن الإيراني راز تسيمت في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تتسم ردود الفعل الإيرانية بالحذر والتعقيد. ولا ترى غالبية التحليلات الإيرانية أن الاتفاق يشكل في صورته الحالية تحالفاً عسكرياً متماسكاً موجهاً ضد طهران، أو «ناتو إسلامياً» قادراً على تغيير موازين القوى بصورة فورية.
لكن ذلك لا يعني أن طهران تستخف بما حدث.
اتفاق لا يشبه «الناتو الإسلامي» بعد
أحد الأسباب التي تدفع إيران إلى التقليل من خطورة الاتفاق هو التباين الكبير بين الدول الثلاث.
السعودية لديها حساباتها الأمنية الخاصة، وتركيا تملك سياسة إقليمية مستقلة ومصالح متشابكة مع إيران، فيما تركز باكستان تقليدياً على بيئتها الأمنية في جنوب آسيا، وعلى رأسها الهند.
كما أن طبيعة الالتزامات العسكرية التي ينص عليها الاتفاق لا تزال غير واضحة بالكامل، ولا توجد حتى الآن بنية قيادة عسكرية مشتركة أو آلية عملياتية تشبه تلك الموجودة في حلف شمال الأطلسي.
لذلك، فإن وصف الاتفاق بأنه «ناتو إسلامي» يبدو سابقاً لأوانه.
لكن طهران تواجه مشكلة أخرى أكثر عمقاً: الاتفاق قد لا يكون مهماً بسبب قدرته العسكرية الحالية، بل بسبب الاتجاه الذي يمكن أن يقود إليه.
التحول الحقيقي: نهاية الاعتماد الأمني الأحادي؟
هذا هو الجانب ال ذي يثير اهتمام المحللين الإيرانيين.
فلسنوات طويلة، اعتمد أمن الخليج بصورة أساسية على الوجود الأميركي. وكانت دول الخليج، رغم خلافاتها مع واشنطن، تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الخارجي الرئيسي لأمنها.
أما اليوم، وبعد سلسلة من الأزمات والحروب، فقد بدأ هذا التصور يتغير.
وتشير التحليلات التي يستعرضها تسيمت إلى أن الدول العربية قد تكون وصلت إلى قناعة مفادها أن الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة يحمل في حد ذاته مخاطر أمنية.
وهنا يصبح «اتفاق مكة» جزءاً من مسار أكبر: السعودية لا تتخلى عن الولايات المتحدة، لكنها تبحث عن طبقات إضافية من الردع والحماية.
وهذا فرق مهم.
فالرياض لا تستبدل واشنطن بأنقرة وإسلام آباد، وإنما تحاول بناء شبكة أمنية متعددة المصادر.
لماذا لا تخشى إيران الاتفاق بصورة مباشرة؟
الرد الرسمي الإيراني جاء حذراً.
وزير الخارجية عباس عراقجي تجنب مهاجمة الاتفاق بصورة مباشرة، ودعا بدلاً من ذلك الدول الإسلامية إلى الاعتماد على نفسها والعمل بروح التعاون، معتبراً أن وحدة الدول الإسلامية يمكن أن توفر قدرة أكبر على مواجهة التحديات الخارجية. (القدس العربي)
أما الأصوات المحافظة والمتشددة داخل إيران فكانت أكثر حدة.
فقد قلل نواب إيرانيون من قيمة الاتفاق، معتبرين أن السعودية لم تتمكن من ضمان أمنها من خلال الاعتماد على الولايات المتحدة، وبالتالي لن تتمكن من تحقيق ذلك بالاعتماد على تركيا وباكستان.
هذه القراءة تعكس جزءاً من الخطاب التقليدي في طهران: الأمن الذي يأتي من الخارج لا يمكن أن يكون بديلاً عن الأمن الإقليمي المستند إلى القوى المحلية.
لكن وراء هذا الخطاب توجد مخاوف أكثر جدية.
الخطر الحقيقي: شبكة أمنية جديدة
يستعرض تسيمت تحذيرات ظهرت في وسائل إعلام إيرانية أكثر واقعية، ترى أن الخطر لا يكمن في الاتفاق الحالي بحد ذاته، وإنما في احتمال تطوره.
فماذا لو تحولت الترتيبات الحالية خلال السنوات المقبلة إلى شبكة أوسع؟
السعودية وتركيا وباكستان اليوم، وربما مصر وقطر ودول أخرى غداً.
وإذا أضيفت إلى هذه الدول قدرات عسكرية واستخباراتية وصناعات دفاعية متقدمة، فإن طهران قد تجد نفسها أمام بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً بكثير من البيئة التي اعتادت العمل فيها.
وهذا هو السيناريو الذي ينبغي أن يقلق إيران.
ليس ظهور جيش إسلامي موحد ضدها، وإنما ظهور شبكة من الدول التي تستطيع تنسيق قدراتها من دون أن تكون تحت قيادة أميركية مباشرة.
السعودية: من الحماية الأميركية إلى تنويع الردع
بالنسبة إلى السعودية، يحمل الاتفاق معنى مختلفاً.
فالمملكة خرجت من السنوات الأخيرة باستنتاج مزدوج: الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكثر أهمية في المنطقة، لكن الاعتماد عليها وحدها قد لا يكون كافياً.
ولهذا تسعى الرياض إلى توزيع مخاطرها.
العلاقة مع واشنطن تبقى أساسية في مجالات الاستخبارات والتسليح والدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية.
لكن تركيا توفر قدرات صناعية وعسكرية متقدمة ونفوذاً إقليمياً واسعاً، بينما تمتلك باكستان جيشاً كبيراً وقدرات صاروخية ونووية، فضلاً عن علاقة تاريخية وثيقة مع السعودية.
وهكذا يمكن النظر إلى «اتفاق مكة» باعتباره تأميناً استراتيجياً إضافياً أكثر منه بديلاً عن التحالف الأميركي.
تركيا: الحلقة الأكثر تعقيداً
وجود تركيا في الاتفاق يمثل تحدياً خاصاً لإيران.
فأنقرة ليست خصماً تقليدياً لطهران، بل منافس وشريك في الوقت نفسه.
تتعاون الدولتان في ملفات اقتصادية وأمنية، وتتنافسان في العراق وسوريا والقوقاز ومناطق أخرى.
كما أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تحاول منذ سنوات بناء سياسة خارجية أكثر استقلالاً عن واشنطن.
ولهذا، فإن دخول أنقرة في ترتيبات دفاعية مع السعودية وباكستان لا يعني تلقائياً أنها ستدخل في مواجهة مع إيران.
لكن بالنسبة إلى طهران، فإن مجرد انتقال تركيا إلى موقع أكثر انخراطاً في أمن الخليج يستحق المراقبة.
وباكستان؟
أما باكستان فتضيف بعداً مختلفاً تماماً.
فهي دولة نووية، وتمتلك جيشاً كبيراً، ولها علاقات تاريخية مع السعودية.
لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران، التي تشترك معها في حدود برية، ولا تريد تحويل أراضيها إلى منصة لمواجهة مباشرة مع طهران.
ولهذا يبقى السؤال الأساسي: إلى أي حد ستكون إسلام آباد مستعدة لترجمة الاتفاق إلى التزامات عسكرية فعلية؟
الجواب لن يتحدد في البيانات السياسية، بل في أول اختبار أمني حقيقي.
الاختبار الأول: إيران أم هرمز؟
إذا تعرضت السعودية لهجوم إيراني جديد، أو تعرضت منشآتها النفطية لهجوم كبير، سيكون على الاتفاق أن يجيب عن السؤال الذي لم يُحسم بعد:
هل تكتفي تركيا وباكستان بالتشاور السياسي والدعم الاستخباراتي واللوجستي، أم تنتقلان إلى تقديم دعم عسكري مباشر؟
هنا سيظهر الفرق بين تحالف دفاعي على الورق وتحالف قادر على تغيير الحسابات العسكرية.
والاختبار قد يأتي أيضاً من مضيق هرمز.
فكلما ازدادت أهمية المضيق في الصراع بين إيران والولايات المتحدة ودول الخليج، ازدادت أهمية أي ترتيبات أمنية تستطيع حماية الملاحة والمنشآت النفطية الخليجية.
إسرائيل تراقب من زاوية مختلفة
بالنسبة إلى إسرائيل، يحمل «اتفاق مكة» بعداً إضافياً.
فإحدى ركائز الاستراتيجية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة كانت الدفع باتجاه بناء تعاون أمني عربي–إسرائيلي في مواجهة إيران.
لكن ظهور ترتيبات أمنية إقليمية لا تمر بالضرورة عبر إسرائيل يمكن أن يحد من قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها جزءاً لا غنى عنه من منظومة الأمن الإقليمي.
وهذا لا يعني أن الاتفاق السعودي–التركي–الباكستاني موجه ضد إسرائيل.
لكن إذا تطور إلى شبكة أوسع، فقد يعيد تعريف السؤال الذي طالما طرحته إسرائيل على دول الخليج:
من يجب أن يضمن أمنكم في مواجهة إيران؟
قد يصبح الجواب مستقبلاً: ليس الولايات المتحدة وحدها، وليس إسرائيل بالضرورة، بل مجموعة من القوى الإقليمية والدولية معاً.
وماذا عن إيران نفسها؟
المفارقة أن الاتفاق قد يدفع طهران إلى مراجعة سياستها تجاه جيرانها.
فإذا كانت إيران ترى أن الضغط على السعودية ودول الخليج يمكن أن يدفعها إلى طلب الحماية الأميركية، فإن النتيجة المحتملة قد تكون عكسية: المزيد من الضغط الإيراني قد يدفع دول المنطقة إلى بناء ترتيبات أمنية مستقلة عنها.
وهنا تبرز توصية مهمة في التحليل الإيراني الذي يستعرضه تسيمت: بدلاً من التعامل مع «اتفاق مكة» باعتباره تهديداً يجب إفشاله، يمكن لطهران أن تتعامل معه باعتباره فرصة للمشاركة في بناء نظام أمني إقليمي جديد.
أي أن السؤال بالنسبة لإيران لا ينبغي أن يكون فقط:
كيف نمنع هذا التحالف؟
بل:
هل نستطيع أن نكون جزءاً من النظام الأمني الذي يتشكل؟
لبنان وسوريا والعراق في الخلفية
هذا التحول لا يخص الخليج وحده.
فإعادة تشكيل الأمن الإقليمي ستنعكس أيضاً على ساحات النفوذ الإيراني التقليدية، ومنها لبنان وسوريا والعراق.
كلما أصبح أمن الخليج أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة، وكلما توسعت الشراكات السعودية مع تركيا وباكستان ودول أخرى، ستجد إيران نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم توزيع مواردها بين ساحات نفوذها المختلفة.
وهذا يتقاطع مع التحولات التي طرأت بالفعل على الشبكة الإيرانية في السنوات الأخيرة، مع تراجع الدور السوري التقليدي، وتغير موقع حزب الله في لبنان، وازدياد أهمية العراق واليمن في المعادلة الإقليمية.
وبالتالي فإن «اتفاق مكة» لا ينبغي النظر إليه كحدث منفصل عن بقية التطورات، بل كجزء من عملية إعادة توزيع واسعة لمراكز القوة في الشرق الأوسط.
هل تتآكل المظلة الأميركية فعلاً؟
ليس بالضرورة.
فحتى أكثر التحليلات تشكيكاً في الدور الأميركي تقر بأن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الخارجية الأهم في الخليج، وأن دول المنطقة لا تستطيع في المدى المنظور الاستغناء عن قدراتها الاستخباراتية واللوجستية والتسليحية.
لذلك، فإن الحديث عن «نهاية النفوذ الأميركي» سيكون مبالغاً فيه.
الأدق هو الحديث عن نهاية الاحتكار الأمني الأميركي.
فالدول الخليجية تبدو أكثر استعداداً لبناء خيارات موازية، فيما تبحث تركيا وباكستان عن أدوار أكبر، وتحاول دول أخرى الحفاظ على هامش استقلالها.
وهذه العملية قد تكون أهم من الاتفاق نفسه.
إيران أمام تحذير استراتيجي لا أمام حرب وشيكة
من المبكر القول إن «اتفاق مكة» أصبح تحالفاً عسكرياً ضد إيران.
ولا توجد مؤشرات كافية على أن السعودية وتركيا وباكستان تستعد لحرب مباشرة مع طهران.
لكن الاتفاق يحمل رسالة استراتيجية أكثر أهمية:
دول المنطقة بدأت تستعد لعالم لا تريد فيه أن يكون أمنها مرهوناً بقوة خارجية واحدة.
وهذه الرسالة يجب أن تكون مهمة لإيران بقدر أهميتها للولايات المتحدة.
فإذا تعاملت طهران مع الاتفاق باعتباره مجرد «اتفاق على الورق»، فقد تفوّت التحول الحقيقي الذي يحدث حولها.
أما إذا قرأته باعتباره بداية نشوء شبكة أمنية إقليمية جديدة، فقد تضطر إلى إعادة النظر في سياستها تجاه جيرانها، وخصوصاً السعودية وتركيا وباكستان.
في النهاية، قد لا يكون السؤال بعد «اتفاق مكة» هو من يملك أقوى جيش في المنطقة، بل من يستطيع بناء أوسع شبكة أمنية من دون الاعتماد الكامل على واشنطن.
وهذا، تحديداً، هو التحدي الذي بدأت طهران تراه خلف الاتفاق.