"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

اللاجئون السوريون يرحلون.. ولبنان يكتشف ثمن الغياب

نيوزاليست
السبت، 3 أكتوبر 2026

اللاجئون السوريون يرحلون.. ولبنان يكتشف ثمن الغياب

لعقد ونصف تقريباً، كان وجود اللاجئين السوريين في لبنان يُقدَّم في الخطاب السياسي والشعبي باعتباره عبئاً ثقيلاً على بلد صغير يعاني أصلاً من أزماته الاقتصادية والاجتماعية. وطالبت أصوات لبنانية عديدة بعودتهم إلى سوريا، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024.

لكن عودة اللاجئين السوريين بدأت تكشف وجهاً آخر للمسألة.

في عكّار والبقاع، حيث تركزت أعداد كبيرة منهم، بدأ غيابهم يظهر في الحقول وورش العمل والبلديات والمراكز الصحية. مزارعون يبحثون عن عمال، نشاط اقتصادي يتراجع، وبلديات ومؤسسات كانت تستفيد من تمويل دولي مرتبط بأزمة اللجوء تجد نفسها أمام سؤال جديد: ماذا يحدث عندما يغادر الذين كان وجودهم نفسه سبباً في تدفق جزء من هذه الأموال؟

هذه المفارقة يرصدها تقرير ميداني نشرته صحيفة «لوموند» من عكّار، حيث بدأت آثار رحيل اللاجئين السوريين تظهر على الأرض.

من مخيم يضم 250 خيمة إلى أرض زراعية

في ببنين، شمال لبنان، لم يبقَ من أحد أكبر تجمعات اللاجئين السوريين في المنطقة سوى آثار قليلة.

على مساحة تبلغ نحو 2.2 هكتار، كانت تنتشر قرابة 250 خيمة. اليوم عادت الأرض إلى الزراعة، وتنتشر فيها البامية والذرة والباذنجان والقرنبيط والخس.

لكن عودة الأرض إلى أصحابها لم تحل كل المشكلات.

فالمزارعون الذين اعتادوا الاعتماد على العمال السوريين باتوا يواجهون صعوبة في العثور على أيدٍ عاملة، خصوصاً في الأعمال الزراعية الشاقة والموسمية.

ينقل تقرير «لوموند» مثالاً بالغ الدلالة: حصاد البامية الذي كان يمكن للعمال السوريين إنجازه في نحو ثلاث ساعات احتاج، بعد رحيلهم، إلى أربعة عمال لبنانيين ونحو تسع ساعات.

المسألة هنا ليست فقط ارتفاع تكلفة الإنتاج، بل اعتماد قطاع زراعي كامل على قوة عمل سورية أصبحت أقل توافراً.

السوريون الذين كانوا «عبئاً» أصبحوا قوة عمل مطلوبة

في البقاع، تبدو الصورة مشابهة.

فالعمال السوريون لم يعملوا في الزراعة فقط، بل كانوا جزءاً من سوق العمل في البناء والمصانع والنقل والمناولة وجمع النفايات.

ومع مغادرة أعداد منهم، بدأت بعض البلديات والمزارعين تتحدث عن صعوبة تأمين العمال، فيما ارتفعت أجور بعض العمال السوريين الذين بقوا في لبنان لأن الطلب عليهم أصبح أكبر.

وهنا تظهر مفارقة اقتصادية واضحة:

وجود أعداد كبيرة من العمال السوريين ساعد على خفض كلفة بعض الأعمال، لكنه في الوقت نفسه جعل قطاعات لبنانية تعتمد عليهم بصورة متزايدة.

وحين بدأ عددهم يتراجع، ظهر هذا الاعتماد فجأة.

ببنين: من 20 ألف سوري إلى نحو 5 آلاف

بحسب رئيس بلدية ببنين الذي تحدث إلى «لوموند»، وصل عدد السوريين في البلدة إلى نحو 20 ألفاً في ذروة الأزمة، قبل أن ينخفض إلى قرابة 5 آلاف حالياً.

لكن المشكلة بالنسبة إلى البلدية لم تكن فقط في عدد اللاجئين السوريين الذين غادروا.

خلال سنوات اللجوء، تدفقت مئات ملايين الدولارات من المساعدات الدولية إلى المناطق اللبنانية المضيفة لتمويل مشاريع مرتبطة بالضغط الذي سببه وجود اللاجئين، من المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات إلى المدارس والمستوصفات.

ومع بدء العودة إلى سوريا، يقول رئيس البلدية إن الجزء الأكبر من التمويل بدأ يتحول باتجاه دعم عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم.

وهكذا وجدت بعض البلديات نفسها أمام مفارقة قاسية: عدد اللاجئين ينخفض، لكن التمويل الذي كان يرافق وجودهم ينخفض أيضاً، فيما الدولة اللبنانية لا توفر بالضرورة بديلاً مالياً.

حتى القطاع الصحي يشعر بالغياب

في مركز للرعاية الصحية الأولية في ببنين، أدى تراجع عدد اللاجئين السوريين إلى تخفيف الضغط عن الخدمات الصحية.

بالنسبة إلى العاملين، يعني ذلك ازدحاماً أقل ومخاطر صحية أقل، خصوصاً بعدما عانت المنطقة خلال السنوات الماضية من أزمات صحية وأوبئة.

لكن الوجه الآخر كان اقتصادياً.

مع انخفاض النشاط والتمويل، فقد المركز 13 موظفاً، فيما يخشى العاملون استمرار التقليص.

وهكذا تكشف قصة المركز مفارقة أخرى: وجود اللاجئين كان يضغط على الخدمات، لكنه كان في الوقت نفسه يجلب تمويلاً لتلك الخدمات ويوفر وظائف مرتبطة بها.

أكثر من 680 ألف عائد

لم تعد عودة اللاجئين السوريين مجرد احتمال سياسي.

بحسب الأرقام التي أوردتها «لوموند»، بلغ عدد السوريين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا 681,612 شخصاً حتى نهاية آب/أغسطس 2026.

وتواصل المفوضية ومنظمة الهجرة الدولية برامج العودة المنظمة والطوعية. ووفق آخر جدول منشور، تشمل الرحلات نقاط انطلاق من زحلة وشمال لبنان، مع تقديم دعم للنقل ومنحة عودة تبلغ 100 دولار لكل فرد، وإمكان حصول الأسر المؤهلة على 300 دولار إضافية.

لكن الأرقام لا تحكي القصة كاملة.

فليس كل من غادر لبنان قد عاد بالضرورة إلى استقرار دائم في سوريا، كما أن بعض السوريين الذين حاولوا العودة عادوا إلى لبنان بعدما وجدوا صعوبة في تأمين ظروف معيشية أو أمنية مناسبة.

وفي المقابل، ما زال آخرون يختارون البقاء في لبنان، سواء بسبب مخاوف أمنية أو لأنهم لا يجدون في مناطقهم الأصلية ما يكفي للعيش.

الدولة اللبنانية أمام معادلة جديدة

المفارقة السياسية والاقتصادية بدأت تصل أيضاً إلى الحكومة.

فمنذ عام 2024، شددت السلطات اللبنانية إجراءاتها ضد العمل غير النظامي للسوريين، وأغلقت مؤسسات مخالفة وشددت الرقابة على أصحاب العمل، في إطار سياسة حماية العمالة اللبنانية.

لكن الواقع الاقتصادي فرض سؤالاً مختلفاً، خصوصاً في الزراعة: ماذا لو احتاج الاقتصاد اللبناني إلى جزء من هذه العمالة؟

وزير الزراعة نزار هاني قال لـ«لوموند» إن تراجع عدد السوريين لم يصل، حتى الآن، إلى مستوى يعطل المشاريع الزراعية، مشيراً إلى العمل على نظام يسمح بتوفير عمالة سورية موسمية ومنظمة وقانونية للمزارع التي تحتاج إليها.

وهنا يمكن أن يتحول السوري من «لاجئ» في الخطاب العام إلى عامل موسمي تحتاج إليه دورة الإنتاج اللبنانية.

لكن هناك وجهاً آخر لا يمكن تجاهله

الاعتماد الاقتصادي على العمال السوريين لم يكن بلا كلفة إنسانية.

تقرير «لوموند» يروي أن بعض العمال السوريين كانوا يعيشون في ظروف شديدة الصعوبة، وينامون على فرش موضوعة على الأرض في مساكن بدائية، ويقبلون بأجور وظروف عمل ربما لم يكن العامل اللبناني ليقبل بها.

ومع انخفاض عدد العمال السوريين، ارتفعت قدرتهم على التفاوض على الأجر، لأن أصحاب العمل باتوا يحتاجون إليهم أكثر.

هذه النقطة مهمة لأنها تمنع اختزال القصة في عبارة «لبنان يحتاج السوريين».

لبنان احتاج إلى عملهم، لكن هذا الاحتياج قام في أحيان كثيرة على هشاشتهم الاقتصادية والقانونية.

والتحدي الجديد هو أن تنظيم العمالة السورية لا يعني فقط تأمين العمال للمزارعين، بل أيضاً ضمان شروط عمل أكثر عدالة لهم.

نهاية «اقتصاد اللجوء»؟

على مدى أكثر من عقد، نشأ في لبنان اقتصاد كامل حول أزمة اللجوء السوري: منظمات دولية، جمعيات، مشاريع مياه وصرف صحي، مدارس ومستوصفات، وظائف إنسانية، إيجارات، نقل، تجارة، إضافة إلى سوق عمل اعتمد على العمال السوريين.

ومع عودة أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى سوريا، يبدأ هذا الاقتصاد بالتراجع.

المفارقة أن لبنان الذي كان يشتكي من كلفة اللجوء يواجه الآن كلفة الرحيل.

ففي بعض المناطق، يعني رحيل اللاجئين السوريين تخفيف الضغط عن البنى التحتية والخدمات؛ لكنه يعني أيضاً فقدان جزء من النشاط الاقتصادي والتمويل الدولي واليد العاملة التي اعتادت عليها قطاعات أساسية.

وهذا لا يعني أن استمرار اللجوء هو الحل، ولا أن العودة هي المشكلة.

بل يعني شيئاً أكثر تعقيداً: أن لبنان لم يبنِ خلال سنوات الأزمة اقتصاداً مستقلاً عن وجود اللاجئين، كما لم تبنِ الدولة قدرة مالية كافية لتحل محل التمويل الدولي الذي رافق أزمة اللجوء.

السؤال الذي تركته سنوات اللجوء

في النهاية، تكشف عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم مفارقة لم تكن ظاهرة عندما كانت المخيمات مكتظة.

كان السؤال اللبناني لسنوات:

كيف نتعامل مع عبء اللاجئين؟

أما السؤال الذي بدأ يظهر الآن فهو مختلف:

كيف يتعامل لبنان مع الاقتصاد الذي نشأ حول وجودهم، ثم بدأ يتقلص مع رحيلهم؟

في عكّار والبقاع، تبدو الإجابة الأولى في الحقول: مزارعون يبحثون عن أيدٍ عاملة.

وتظهر في البلديات: أموال دولية تتراجع.

وتظهر في المراكز الصحية: نشاط ووظائف تنخفض.

وتظهر في سوق العمل: عمال سوريون أقل عدداً، لكن أكثر قدرة على فرض أجورهم.

وبذلك، فإن عودة اللاجئين السوريين لا تطوي فقط صفحة أزمة اللجوء؛ إنها تفتح صفحة جديدة من الأسئلة حول الاقتصاد اللبناني نفسه، وحجم اعتماده الذي بقي طويلاً مخفياً خلف الجدل السياسي حول اللاجئين.

المقال السابق
في «تشرين الوردي».. رحلة في نفسية المناضلات ضد سرطان الثدي
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

هذا هو المتهم بمحاولة اسقاط طائرة "فلاي دبي" وهذه هي أسبقياته

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية