"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

في «تشرين الوردي».. رحلة في نفسية المناضلات ضد سرطان الثدي

نيوزاليست
السبت، 3 أكتوبر 2026

في «تشرين الوردي».. رحلة في نفسية المناضلات ضد سرطان الثدي

في معركة سرطان الثدي، لا تبدأ المواجهة مع الورم وتنتهي بانتهاء جلسات العلاج. هناك معركة أخرى، أكثر صمتاً وأقل ظهوراً: معركة المرأة مع جسدها، مع صورتها أمام المرآة، ومع الإحساس بأن المرض والعلاج أخذا منها شيئاً من ملامحها وحياتها التي كانت تعرفها.

شعر يتساقط بفعل العلاج الكيميائي، ثدي يتغير شكله بعد الجراحة، ندبة تبقى شاهدة على العملية، جلد يتأثر بالعلاج الإشعاعي، تغير في الوزن والملامح، إرهاق، اضطرابات في النوم، وتراجع في الرغبة الجنسية.

كل ذلك قد يبدو تفصيلاً أمام خطورة السرطان، لكنه بالنسبة إلى المرأة التي تعيشه ليس تفصيلاً بالضرورة.

«السرطان، أو بالأحرى علاجات السرطان، يجعل المرأة قبيحة»، تقول إحدى المريضات التي عاشت تجربة سرطان الثدي. عبارة قاسية، لكنها تختصر وجهاً من وجوه المعركة لا يظهر دائماً في التقارير الطبية: كيف تحافظ المرأة على صورتها عن نفسها بعدما يغيّر المرض جسدها؟

عندما تصبح المرآة جزءاً من العلاج

تؤكد المعطيات الطبية الفرنسية أن سرطان الثدي وعلاجاته يمكن أن يؤثرا في صورة الجسد وتقدير الذات، خصوصاً بعد الجراحة ومع تساقط الشعر وتغيرات الجلد والوزن والإرهاق والتغيرات الجنسية. وقد ينعكس ذلك على الحالة النفسية وجودة الحياة.

وتقول الدكتورة نصرين كالت، اختصاصية الأورام النسائية في معهد كوري في باريس والمؤسسة المشاركة لجمعية Belle & Bien، إن الأطباء يجب أن يتحدثوا مع النساء عن هذه الآثار منذ بداية رحلة العلاج، لا أن يتركوا المريضة تكتشفها وحدها.

وتروي أنها حضرت استشارات اعترفت خلالها نساء بأنهن لا يتناولن العلاج الهرموني بسبب ما يسببه من تغيرات في شكل الجسم والشعر والجلد والأغشية المخاطية والحياة الجنسية.

وهنا تتحول المسألة من قضية مظهر إلى قضية طبية: ماذا يحدث عندما تصبح الآثار الجانبية للعلاج سبباً في رفضه أو عدم الالتزام به؟

خمس سنوات من العلاج… وثمنها النفسي

نحو 80% من سرطانات الثدي تكون حساسة للهرمونات، ولذلك يُستخدم العلاج الهرموني في عدد كبير من الحالات. وفي سرطان الثدي الموضعي غير النقيلي الحساس للهرمونات، يمكن أن يستمر العلاج عادة خمس سنوات على الأقل، بهدف تقليل خطر عودة المرض.

لكن هذه السنوات الطويلة قد تأتي مع آثار جانبية مثل الهبّات الساخنة، آلام المفاصل، التعب، تغيرات الوزن، اضطرابات النوم، جفاف المهبل وتراجع الرغبة الجنسية، إضافة إلى تغيرات أخرى تختلف بحسب الدواء وحالة المريضة.

وتظهر بيانات فرنسية أن الالتزام بالعلاج الهرموني يمثل تحدياً حقيقياً لدى بعض النساء، فيما تؤكد الجهات الطبية ضرورة عدم إيقافه من دون مناقشة الطبيب، لأن قرار التوقف قد يؤثر في فاعلية العلاج.

وهنا يظهر البعد النفسي للمعركة بوضوح: المرأة لا تختار بين «الجمال» و«العلاج» ببساطة، بل قد تجد نفسها أمام علاج ضروري لإنقاذ حياتها، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه تغيرات يصعب عليها تقبلها.

الجسد يتغير… والأنوثة تدخل المعركة

الجراحة قد تترك ندبة أو تغيراً دائماً في شكل الثدي. والعلاج الكيميائي قد يؤدي إلى فقدان الشعر. والإشعاع يمكن أن يؤثر في الجلد. أما العلاج الهرموني، فقد يدخل المرأة في حالة تشبه بعض جوانب سن اليأس، مع انعكاسات محتملة على الجسد والحياة الجنسية.

ولا تتوقف المسألة عند ما تراه المرأة في المرآة.

فالثدي بالنسبة إلى كثير من النساء مرتبط بالأنوثة والجاذبية والأمومة والهوية الشخصية. لذلك يمكن أن يكون فقدانه أو تغير شكله تجربة تتجاوز الجانب الجراحي إلى الجانب النفسي.

ولهذا أصبحت صورة الجسد أحد عناصر جودة الحياة التي تحظى باهتمام متزايد في رعاية مريضات سرطان الثدي.

والجنس أيضاً جزء من القصة

من أكثر الملفات حساسية في هذه الرحلة الحياة الجنسية.

العلاج قد يؤثر في الرغبة والإثارة والترطيب والنشوة، كما قد يسبب الألم أثناء العلاقة. وقد تتداخل هذه الأعراض مع صورة المرأة عن جسدها ومع علاقتها بشريكها.

مراجعة علمية منشورة عام 2025 شملت 16 دراسة و4058 امرأة مصابة بسرطان الثدي، وجدت تفاوتاً واسعاً في معدلات الاضطرابات الجنسية التي أبلغت عنها الدراسات، مع ارتفاع واضح في بعض الفترات بعد العلاج الهرموني. وشملت المشكلات التي تناولتها الدراسات الرغبة والإثارة والترطيب والنشوة والرضا والألم.

ورغم حساسية الموضوع، فإن تجاهله لا يجعله يختفي.

بل قد يجعل المرأة تعيش جزءاً من معاناتها بصمت.

«تشرين الوردي»… ما وراء الشريط الوردي

بمناسبة حملة «تشرين الوردي» للتوعية بسرطان الثدي، أجرت جمعية Belle & Bien استطلاعاً عبر OpinionWay شمل 1006 نساء تبلغ أعمارهن 18 عاماً وأكثر، إضافة إلى 200 امرأة سبق أن أصبن بالسرطان.

وبحسب نتائج الاستطلاع، ترى أكثر من ثماني نساء من كل عشر من المصابات بالسرطان أن المرض يؤثر بقوة في صورة المرأة عن نفسها وعلاقتها بجسدها، إلى درجة أن النظر إلى المرآة قد يصبح مصدر انزعاج.

هذه النتيجة تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز التوعية التقليدية بالمرض:

هل ننجح في علاج السرطان، لكننا لا نعطي ما يكفي من الاهتمام للمرأة التي تبقى بعد العلاج؟

فالمطلوب ليس فقط اكتشاف الورم مبكراً ومحاربته بالأدوية والجراحة والإشعاع، بل أيضاً مساعدة المرأة على استعادة علاقتها بجسدها وحياتها وثقتها بنفسها.

من «التجميل» إلى رعاية الدعم

لهذا السبب ظهرت في فرنسا برامج متخصصة في ما يسمى برعاية الدعم، ومن بينها ورش جمعية Belle & Bien التي تقدم للنساء المصابات بالسرطان وسائل للعناية بالبشرة والمظهر واستعادة بعض الطقوس اليومية التي قد يفقدنها أثناء العلاج.

وتقول الجمعية إنها رافقت خلال 25 عاماً قرابة 60 ألف امرأة، ونظمت آلاف الورش في مؤسسات صحية ومواقع شريكة في فرنسا.

الفكرة ليست مطالبة المرأة بأن تبدو «جميلة» وهي مريضة.

الفكرة أبسط وأعمق: أن يبقى لها شعور بأنها هي نفسها، رغم أن المرض غيّر جسدها.

بعد إنقاذ الحياة… كيف تستعيد المرأة حياتها؟

في فرنسا، شُخّصت أكثر من 61 ألف حالة جديدة من سرطان الثدي عام 2023، فيما تتزايد فرص البقاء على قيد الحياة بفضل الكشف المبكر وتحسن العلاجات.

ومع ارتفاع عدد النساء اللواتي يعشن سنوات طويلة بعد التشخيص، يتغير السؤال الطبي نفسه.

لم يعد السؤال الوحيد:

كيف نقضي على السرطان؟

بل أصبح أيضاً:

كيف نساعد المرأة على استعادة حياتها بعد السرطان؟

فقد تنجح العملية في إزالة الورم، وينجح العلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو الهرموني في خفض خطر عودة المرض، لكن آثار الرحلة قد تبقى في المرآة، وفي الجسد، وفي العلاقة مع الشريك، وفي الثقة بالنفس.

ولهذا فإن «تشرين الوردي» ليس فقط شهراً للتذكير بالفحص والكشف المبكر.

إنه فرصة أيضاً للاستماع إلى النساء اللواتي يخضن المعركة من الداخل؛ إلى خوفهن، وقلقهن، وصورتهن عن أجسادهن، وإلى حاجتهن لأن يشعرن بأنهن نساء كاملات لا مجرد أجساد تحمل مرضاً يجب علاجه.

في النهاية، المعركة ضد سرطان الثدي لا تنتهي عندما يختفي الورم؛ بالنسبة إلى كثير من النساء، تبدأ بعدها معركة أخرى: استعادة الجسد، واستعادة النفس، واستعادة الحياة.

المقال السابق
بعد الصودا.. السكر يدخل مرمى «الضرائب الصحية» في فرنسا: البسكويت والشوكولاتة على اللائحة
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

بعد الصودا.. السكر يدخل مرمى «الضرائب الصحية» في فرنسا: البسكويت والشوكولاتة على اللائحة

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية