لم تعد واشنطن تكتفي بخنق مبيعات النفط الإيرانية، بل بدأت تستهدف الشريان اللوجستي الذي يبقيها على قيد الحياة. عشرات الناقلات المرتبطة بإيران عالقة في المياه الآسيوية، وبعضها يواجه صعوبة في الحصول على الوقود والمياه والخدمات، في وقت تضغط الولايات المتحدة على الموانئ والشركات والوسطاء لوقف التعامل معها، في خطوة قد تهدد قدرة طهران على مواصلة تصدير نفطها وتمويل «اقتصاد الظل» الذي اعتمدت عليه لسنوات في الالتفاف على العقوبات.
أدخلت الولايات المتحدة حملتها على إيران مرحلة جديدة تستهدف فيها ليس فقط النفط الإيراني أو الشركات التي تتعامل معه، بل الشبكة البحرية واللوجستية التي تتيح لطهران تصدير نفطها رغم العقوبات.
وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» للكاتب جون إيمونت، تقف نحو 20 ناقلة نفط إيرانية فارغة على بعد نحو 24 كيلومتراً من الساحل الجنوبي الغربي لسريلانكا، فيما توجد ناقلات إيرانية أو مرتبطة بإيران عالقة في مياه آسيوية، بينها مناطق قبالة ماليزيا، بعدما شاركت في نقل النفط الإيراني إلى الصين عبر شبكات مصممة للالتفاف على العقوبات الأميركية.
وتعود جذور الأزمة إلى إعادة الولايات المتحدة فرض ضغوطها على حركة الناقلات الإيرانية، ما منع عدداً منها من العودة إلى إيران بعد تفريغ حمولاتها في آسيا.
وكانت هذه الناقلات تعتمد على مسار معقد لتجاوز العقوبات: تنقل النفط الإيراني إلى المياه الدولية قبالة ماليزيا، حيث يجري نقله من سفينة إلى أخرى، قبل أن تتولى ناقلات أخرى إيصال الشحنات إلى المصافي الصينية. وبعد تفريغ النفط، كانت الناقلات تعود إلى إيران لتحميل شحنات جديدة.
لكن هذه الدورة تعطلت بصورة متزايدة بعدما كثفت واشنطن العقوبات وبدأت تضغط على الدول الآسيوية والشركات التي تقدم الخدمات للسفن المرتبطة بإيران.
من العقوبات إلى خنق الخدمات
وأبلغت السفارة الأميركية في كولومبو الحكومة السريلانكية بأنها تتابع ناقلات إيرانية قبالة الساحل الغربي للبلاد، وحثت السلطات على تحذير الشركات المحلية من تقديم الخدمات إليها خشية تعرضها للعقوبات الثانوية الأميركية.
وفي أوائل أيلول، رفضت هيئة الموانئ السريلانكية تقديم خدمات لسفينتين إيرانيتين ترفعان ا لعلم الإيراني، معتبرة أن التعامل معهما ينطوي على مخاطر مرتبطة بالعقوبات الأميركية.
ثم نظمت السفارة الأميركية في كولومبو دورة تدريبية لمسؤولين سريلانكيين حول مخاطر العقوبات التي قد تطال وكلاء الشحن ومزودي الوقود وشركات الخدمات التي تتعامل مع السفن الخاضعة للعقوبات.
والنتيجة أن الناقلات باتت تواجه صعوبة ليس فقط في بيع النفط، بل حتى في الحصول على الوقود والمياه والغذاء وفرق الإصلاح والخدمات البحرية.
واضطرت بعض السفن إلى الابتعاد عن المياه الإقليمية السريلانكية وإطفاء محركاتها لتوفير الوقود، بينما حاولت سفن أخرى التوجه إلى مناطق قبالة الهند والصين.
ناقلات بلا نفط… ولا طريق للعودة
ومن بين السفن التي يوردها التقرير ناقلة خاضعة للعقوبات الأميركية حملت النفط من جزيرة خرج الإيرانية في حزيران، ثم عبرت مضيق هرمز قبل أن تفرغ حمولتها في عملية نقل من سفينة إلى أخرى قبالة ماليزيا في آب.
ومنذ ذلك الوقت بقيت الناقلة عالقة قبالة ماليزيا بدلاً من العودة إلى إيران وتحميل شحنة جديدة.
وتحولت هذه السفن عملياً إلى أصول معطلة لا تستطيع مواصلة الدورة التجارية التي كانت تعتمد عليها إيران.
ولا يقتصر الض غط على ناقلات النفط، إذ طال أيضاً سفناً مرتبطة بإيران تنقل بضائع أخرى، ما يعكس اتساع نطاق القيود المفروضة على الشبكة البحرية المرتبطة بطهران.
خطر على الإيرادات النفطية
وتكتسب التطورات أهميتها من تأثيرها المحتمل على الإيرادات النفطية الإيرانية.
وبحسب تقديرات أوردها التقرير، فإن النفط الإيراني الموجود في انتظار نقله إلى المشترين قد ينفد خلال الأسابيع المقبلة، فيما قد تتوقف المدفوعات المرتبطة بهذه الشحنات بحلول نهاية العام.
وتذهب بعض التقديرات إلى أن إيرادات النفط الإيرانية قد تقترب من الصفر في كانون الأول إذا استمر المسار الحالي، وهو سيناريو تحليلي يعتمد على استمرار القيود وعدم قدرة طهران على إيجاد بدائل لوجستية فعالة.
واشنطن تستهدف «اقتصاد الظل»
وتسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رفع كلفة تشغيل شبكة النفط الإيرانية غير الرسمية إلى مستوى يجعل استمرارها أكثر صعوبة.
وفرضت واشنطن عقوبات على شبكات وشركات توفر الوقود والخدمات للسفن الإيرانية، بالتوازي مع ضغوط على الدول الآسيوية لمنع تقديم الخدمات إلى السفن المرتبطة بتجارة النفط الإيرانية.
وبذلك تنتقل الحملة الأميركية من استهداف المشتري والناقل والأموال إلى استهداف الحلقة التي تربط هذه العناصر ببعضها: الموانئ، وخدمات الإمداد، والوقود، والإصلاح، ونقل الشحنات بين السفن.
وهذا يعني أن التحدي الذي تواجهه إيران لم يعد محصوراً في العثور على مشترٍ لنفطها، بل أصبح في كيفية نقل النفط إلى المشتري وإعادة الناقلة إلى إيران لتحميل شحنة جديدة.
وتدافع واشنطن عن تشديد العقوبات باعتباره وسيلة لرفع كلفة تشغيل الأسطول المرتبط بإيران وتفكيك شبكات التهرب من العقوبات.
وفي المقابل، بدأت التداعيات تظهر على متن بعض السفن، مع تقارير عن تناقص مخزونات الغذاء والمياه والوقود لدى بعض الأطقم، فيما تواجه الشركات البحرية نفسها مخاطر متزايدة إذا قدمت خدمات لسفن خاضعة للعقوبات.
وبذلك، تبدو الحملة الأميركية مختلفة عن العقوبات التقليدية التي ركزت على منع إيران من بيع النفط أو تجميد عائداته. فهذه المرة يجري استهداف الآلية التي جعلت تصدير النفط ممكناً طوال سنوات العقوبات: ناقلات الظل، والنقل من سفينة إلى أخرى، والوسطاء، والموانئ، ومزودو الخدمات.
وإذا استمر هذا الضغط، فإن قدرة طهران على إبقاء تجارة النفط غير الرسمية عاملة ستصبح مرتبطة ليس فقط بوجود النفط والمشترين، وإنم ا بقدرتها على إبقاء شبكة النقل والخدمات بأكملها قيد التشغيل.
