لم يكن أحد من ركاب رحلة «فلاي دبي» يتوقع أن تتحول الرحلة إلى معركة لإنقاذ حياة أكثر من مئتي شخص. خلال دقائق، وجد أربعة إسرائيليين أنفسهم أمام مشهد غير مألوف: مساعد طيار يُشتبه في محاولته السيطرة على الطائرة، طيار مصاب ينزف، وطائرة تحتاج إلى من يمنعها من السقوط.
بعد يوم على الحادثة، عاد الرجال الأربعة إلى تلك اللحظات، وكل واحد منهم يحمل رواية مختلفة عن الخوف، لكنهم يتفقون على شيء واحد: لم يكن هناك وقت للتفكير في أنفسهم.
«رأيت أبطالاً هناك… فانضممت إليهم»
كان طبيب الأسنان شوتا موساييف (47 عاماً) جالساً عندما لاحظ ما يجري، ورأى ثلاثة إسرائيليين يندفعون نحو مساعد الطيار العُماني في محاولة للسيطرة عليه.
قال: «حاولت زوجتي منعي في البداية، لكنني رأيت أبطالاً هناك فانضممت إليهم».
لم يكن موساييف يفكر في ما قد يحدث له. كان يرى طائرة كاملة وركاباً يحتاجون إلى من يتدخل.
وقال: «في تلك اللحظة، لم نفكر بحياتنا وما قد يحدث لنا. فكرنا فقط في كيفية إنقاذ الطائرة بأكمله ا».
وبعد السيطرة على مساعد الطيار، انتقل موساييف إلى مهمة أخرى لا تقل خطورة. فقد كان قائد الطائرة الهندي سميث ماتشر مصاباً وينزف بشدة.
وقال موساييف: «أخبرني الطيار أنه يريد أن يعيش وألا يموت هنا».
وأضاف: «كانت هناك لحظات ظننت فيها أننا لن نتمكن من الهبوط في الوقت المناسب لأنه كان ينزف بغزارة. لكن بعد أن أوقفنا النزيف، استقرت حالته».
وبالنسبة إلى موساييف، لم يكن ما حدث مجرد سلسلة من الأحداث، بل مجموعة من المصادفات الصغيرة التي انتهت بإنقاذ الطائرة.
«وُلدنا من جديد»
بعد الهبوط الاضطراري، أنشأ الأربعة مجموعة على تطبيق «واتساب». ولم يجد موساييف عبارة تختصر ما عاشوه سوى: «جميعنا وُلدنا من جديد بالأمس».
ويقول عن يانيف حايون، وزفيكا مانس، وأساف راجوان: «أعتبر كل واحد منهم فرداً جديداً من عائلتي».
وأضاف: «لقد مررنا بحدث تاريخي، بل وهبطنا في المملكة العربية السعودية».
لكن الخطر لم ينته بمجرد هبوط الطائرة.
قرار جديد تحت الضغط: هل يصعدون إلى الطائرة؟
وجد الركاب أنفسهم أمام سؤال آخر: هل يعودون إلى طائرة «فلاي دبي» نفسها للعودة إلى إسرائيل؟
يقول موساييف إنه لم يتردد في تأييد الصعود.
«تحدثت إلى مسؤول رفيع المستوى ومدير المطار المحلي. كنت من الذين قالوا إنه يجب الصعود إلى الطائرة. لا يمكن تسيير الرحلات الجوية على الخطوط الإسرائيلية فقط».
وأضاف: «رغم الحادث الصعب الذي مررنا به مع فلاي دبي، لا يمكن ببساطة تحييدها».
وبينما كان بعض الأهالي يشعرون بالقلق على أطفالهم، ترك موساييف القرار لهم.
وقال: «أخبرت الجميع بأنه يجب الصعود. وتركنا للآباء الذين لديهم أطفال قرارهم».
وفي النهاية، صعد الركاب إلى الطائرة، بل إن موساييف اصطحب بعض الفتيات إلى قمرة القيادة للتعرف إلى الطيارين.
«أنا سباك… ولست بروس لي»
أما يانيف حايون (38 عاماً)، فكان أحد الذين دخلوا في قلب المواجهة.
ساهم السباك من نيس زيونا في السيطرة على مساعد الطيار، ثم وجد نفسه لاحقاً محور حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما وصفه بأنه «سباك إسرائيلي لم يسبق له قيادة طائرة».
حايون لم يغضب من الوصف، بل ضحك.
وقال: «أنا سباك مُطوَّر. ترامب لم يكن مخطئاً. أنا لا أعمل في ناسا ولا أتعامل مع الفضاء. أنا أتعامل مع أنابيب الصرف الصحي ذات الرائحة الكريهة، وكان محقاً».
وأضاف: «لم يخطر ببالي أبداً أن ترامب سيتحدث عني أو يتطرق إلى ما فعلته. وأنا أحب روح الدعابة لديه. كان وصفه للأمر مسلياً».
لكنه سارع إلى التقليل من صورته كبطل خارق.
وقال: «أنا لست بروس لي».
ثم شرح ببساطة ما حدث: «تمكنت، بمساعدة بعض الإسرائيليين، من السيطرة على الإرهابي وإخراجه من قمرة القيادة بالخنق من الخلف، وهذا هو الأهم».
«لم أستطع النوم»
ورغم كل ما قيل عن الشجاعة، لم يخف حايون الجانب الآخر من التجربة.
قال: «لم أستطع النوم إطلاقاً».
وبعد ليلة طويلة، لم يكن يريد احتفالاً ولا أضواء ولا شهرة.
«كل ما أريده الآن هو العودة إلى روتيني، إلى العمل، إلى شاحنتي».
ثم وجه الشكر إلى جميع الركاب الذين شاركوا في اللحظات الحاسمة.
وقال: «أشكر كل من كان على متن الطائرة، وكل من وقف إلى جانبنا وساعد في إنقاذ حياتنا، لأنها كانت معلقة بخيط رفيع».
وأضاف بجملة تختصر ما بقي من أثر الحادث: «آمل ألا يطاردني هذا الأمر في أحلامي».
لم يكن بطلاً واحداً
يصر موساييف على أن ما حدث لم ي كن بطولة شخص واحد.
يقول: «العمل البطولي كان عملاً قمنا به معاً».
فهو تولى السيطرة على مساعد الطيار ثم عالج قائد الطائرة المصاب، بينما دخل حايون ومانس وراجوان إلى قمرة القيادة وسيطروا على الوضع، في حين اهتم ركاب آخرون بالأطفال وساعدوا من احتاج إلى المساعدة.
«فعلنا كل شيء معاً، يداً بيد»، يقول موساييف.
وفي صباح اليوم التالي، عاد طبيب الأسنان إلى منزله في ريشون لتسيون، حيث كان أطفاله بانتظاره.
قال: «نحن سعداء لأننا معهم من جديد، ونبدأ شيئاً فشيئاً في استيعاب أننا ما زلنا على قيد الحياة».
