"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

عندما يصبح صانعُ الأزمة شاهدًا عليها: باسيل يحاضر في عتمة لبنان

لارا صقر
الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

عندما يصبح صانعُ الأزمة شاهدًا عليها: باسيل يحاضر في عتمة لبنان

يبدو أن جبران باسيل يملك موهبة استثنائية في السياسة اللبنانية: أن يكون جزءًا من المشكلة، ثم يعود بعد سنوات ليقدّم نفسه بوصفه صاحب الحل.

اليوم، يقف باسيل ليحاضر في «العتمة» و«المولدات» ونتائج السياسات الحكومية، وكأن ذاكرة اللبنانيين قد مُسحت، وكأن وزارة الطاقة لم تكن يومًا في عهدة تياره، وكأن السنوات الطويلة التي أمضاها التيار في السلطة لم تترك وراءها أي مسؤولية سياسية.

لكن المشكلة أن الأرقام لا تجامل، والكهرباء لا تكذب، والبواخر لا يمكن محوها من التاريخ.

ثماني مرات تولّى التيار الوطني الحر وزارة الطاقة والمياه. وخلال هذه السنوات، سمع اللبنانيون وعودًا بالكهرباء 24/24، وانتظروا المعامل، ودفعوا للدولة، ثم دفعوا للمولدات، وشاهدوا البواخر تدخل إلى البلد بوصفها «حلًا مؤقتًا» فيما رحلت اابواخر وبقيت الأزمة!

ثم، بعد كل ذلك، يظهر باسيل ليكتشف أن لبنان يعيش أزمة كهرباء!

أي وقاحة سياسية أكبر من أن يتحول من كان في قلب إدارة الملف إلى واعظٍ على نتائج الملف؟

من حق باسيل أن يحاسب الحكومة. لكن ليس من حقه أن يتصرف وكأن السنوات التي كان فيها تياره في السلطة قد اختفت من التاريخ.

فاللبناني الذي عاش العتمة، ودفع فاتورة المولد، وخسر قدرته الشرائية، ثم وجد أمواله عالقة في المصارف، لا يحتاج إلى خطبة سياسية عن نتائج الانهيار.

يحتاج فقط أن يرى من أوصلوا البلد إلى ما هو عليه اليوم يُحاسبون، وحتماً ليس نواف سلام من تسبب بذلك!

من الكهرباء إلى دفتر الحساب

ولأن باسيل اختار أن يجعل الكهرباء مدخلًا لمهاجمة الحكومة، فمن حق اللبنانيين أن يعيدوا ترتيب المشهد أمامه.

وزارة الطاقة ليست تفصيلًا عابرًا في سجل التيار الوطني الحر. إنها أحد أبرز الملفات التي ارتبط بها التيار سياسيًا، وواحدة من أكثر الوزارات التي تحولت فيها الوعود إلى مادة دائمة للسجال.

ثماني مرات في وزارة الطاقة، ووعود متكررة، ومشاريع وخطط، وبواخر لتوليد الكهرباء، وإنفاق ضخم، ومع ذلك بقيت النتيجة التي يعرفها كل لبناني: دولة لا تؤمّن الكهرباء، ومواطن يدفع مرتين وثلاثًا كي يحصل عليها.

فإذا كان باسيل يريد اليوم فتح دفتر الكهرباء، فليكن الدفتر كاملًا.

ليُسأل عن الـ24/24 التي وُعد بها اللبنانيون في 2015 ولم تتحقق. وليُسأل عن البواخر التي دخلت على خط أزمة الكهرباء. وليُسأل عن السنوات التي بقي فيها التيار ممسكًا بالوزارة. وليُسأل عن مليارات الدولارات التي تحمّلها القطاع العام في هذا الملف.

ثم، بعد ذلك كله، يمكن الانتقال إلى السؤال الأكبر:

كيف وصل لبنان إلى هنا؟

لأن العتمة لم تكن سوى وجه واحد من وجوه الانهيار.

فالتيار الذي يملك اليوم عشرات المواقف السياسية والانتقادات للحكومة الحالية، كان في السنوات السابقة شريكًا أساسيًا في السلطة والقرار. تولّى وزراء محسوبون عليه عشرات الحقائب، وكان له حضور وازن في البرلمان والحكومة والرئاسة.

وعندما انفجر الانهيار المالي عام 2019، لم يكن التيار يقف خارج الدولة يراقب من بعيد.

كان في صلب السلطة والدولة.

وهنا تحديدًا تصبح محاولات غسل اليدين من المرحلة أكثر استفزازًا من الأزمة نفسها.

من «الإصلاح والتغيير» إلى الانهيار

لبنان لم يصل إلى الانهيار المالي والاقتصادي بين ليلة وضحاها.

كانت هناك سنوات من العجز والدين وسوء إدارة المال العام، وغياب الإصلاحات البنيوية، وتعطيل القرارات الضرورية، فيما كانت الطبقة السياسية بأكملها تتحمل مسؤولية سياسية عن المسار الذي قاد إلى الانفجار المالي.

وكان التيار الوطني الحر جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة السياسية.

ثم جاءت الأزمة.

انهارت الليرة اللبنانية، وفقدت أكثر من 98 في المئة من قيمتها منذ بداية الانهيار، وانهار القطاع المصرفي، وبقيت ودائع اللبنانيين عالقة.

والبنك الدولي وصف الأزمة اللبنانية بأنها من بين أشد الأزمات الاقتصادية والمالية عالميًا منذ منتصف القرن التاسع عشر.

وفي خضم هذا كله، يريد باسيل اليوم أن يتحدث عن «حكومة الودائع المحتجزة».

حسنًا.

أين كان الإصلاح عندما كان التيار شريكًا في السلطة؟

أين كانت الخطط التي تمنع الانهيار؟

أين كانت الدولة التي وُعد اللبنانيون ببنائها؟

وكيف تحوّل شعار «الإصلاح والتغيير» إلى بلد يفقد فيه المواطن قيمة راتبه، وتنهار فيه عملته، وتُحتجز فيه مدخراته؟

لا، ليس التيار وحده مسؤولًا عن انهيار لبنان، ولا يمكن اختزال عقود من الفشل السياسي والمالي بحزب واحد.

لكن في المقابل، لا يمكن لتيار كان شريكًا أساسيًا في السلطة أن يخرج اليوم من الصورة وكأنه كان مجرد متفرج.

وماذا عن انفجار ٤ آب يا جبران؟

وقع الانفجار خلال عهد الرئيس ميشال عون، في مرحلة كانت فيها مؤسسات الدولة وأجهزتها السياسية والأمنية والقضائية مطالبة بتحمّل مسؤولياتها كاملة.

وقد أظهرت تقارير وتحقيقات حقوقية أن عون أُبلغ بوجود نيترات الأمونيوم في المرفأ قبل الانفجار، ما يطرح سؤالًا سياسيًا كبيرًا حول كيفية تعامل مؤسسات الدولة مع هذه المعلومات والخطر الذي كانت تمثله المواد المخزنة.

والنتيجة كانت واحدة من أكبر الكوارث في تاريخ لبنان الحديث: أكثر من مئتي قتيل، آلاف الجرحى، ودمار هائل أصاب بيروت وأهلها.

وفي بلد بحجم لبنان، لا يمكن لأي سلطة أن تطالب الناس بنسيان هذه المرحلة أو التعامل معها وكأنها صفحة عابرة.

فليحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين

من حق جبران باسيل أن ينتقد حكومة نواف سلام.

ومن حق أي حزب معارض أن يطالب الحكومة بالنتائج والإصلاح والمحاسبة.

لكن من حق اللبنانيين أيضًا أن يحاسبوا من يحاسبهم.

أن يسألوا عن وزارة الطاقة. عن البواخر. عن وعود الـ24/24. عن سنوات المشاركة في إدارة الدولة. عن الانهيار المالي. عن الودائع التي تبخرت. وعن المسؤولية السياسية للسلطة التي كانت تدير البلاد عندما وصل لبنان إلى واحدة من أسوأ أزماته في تاريخه الحديث.

لذلك، عندما يقول جبران باسيل إن الحكومة الحالية هي «حكومة العتمة»، فإن السؤال الذي يجب أن يسمعه قبل غيره هو:

ومن أبقى لبنان في العتمة كل هذه السنوات؟

وعندما يتحدث عن «حكومة المولدات»:

من ترك اللبناني أسير المولدات رغم كل الوعود بالكهرباء 24/24؟

وعندما يتحدث عن «الودائع المحتجزة»:

أين كانت منظومة الإصلاح عندما كان التيار شريكًا في السلطة قبل الانهيار؟

في النهاية، لا يمكن محو سنوات السلطة بخطاب سياسي، ولا يمكن تحويل من كان في قلب الدولة إلى متفرج على تاريخها.

فاللبنانيون لا يحتاجون إلى من يشرح لهم أنهم يعيشون العتمة؛ هم يعيشونها.

ولا يحتاجون إلى من يخبرهم أن أموالهم عالقة؛ هم أصحاب هذه الأموال.

ولا يحتاجون إلى من يعيد تعريف الأزمة لهم؛ هم دفعوا ثمنها من رواتبهم ومدخراتهم وحياتهم.

وإذا كان جبران باسيل يريد فتح دفتر الحساب، فليفتحه كاملًا، لا أن يختار منه الصفحة التي تناسبه.

ثماني مرات في وزارة الطاقة، ووعدٌ بالكهرباء 24/24، وسنوات طويلة في قلب السلطة، ليست تفاصيل هامشية في تاريخ لبنان.

إنها جزء من التاريخ الذي يريد باسيل اليوم أن يحاكم الآخرين عليه.

فمن يريد أن يحاسب حكومة اليوم، فليكن مستعدًا لأن يُسأل عن حكومة الأمس. ومن يريد فتح دفتر الحساب، فليفتحه كاملًا.

أما محاولة الظهور بمظهر المنقذ بعد سنوات من المشاركة في صناعة القرار، فلن تمحوها خطبة نيابية، ولن تمحوها ذاكرة اللبنانيين

المقال السابق
جبران باسيل.. المفترس!

لارا صقر

محرّرة

مقالات ذات صلة

الحوثيون من المخا إلى باب المندب.. هل يتحول اليمن إلى أخطر جبهات حرب إيران وأميركا؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية