أعلنت وزارة الأشغال العامة والنقل اللبنانية عن اتفاق لبناني - سوري على إعادة تفعيل الربط السككي بين البلدين، في خطوة تعيد إلى الواجهة ملف “القطار” الذي شكّل لعقود شرياناً اقتصادياً وبشرياً بين لبنان وسوريا قبل أن يتوقف بالكامل مطلع التسعينيات.
الاتفاق: من دمشق إلى طرابلس
جاء الاتفاق خلال زيارة قام بها وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني إلى دمشق، حيث عقد اجتماعاً موسعاً مع وزير النقل السوري الدكتور يعرب بدر، اتفقا خلاله على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة الملفات التقنية للمشروع. وأكد الوزيران أن الهدف لا يقتصر على الربط الثنائي بين البلدين، بل يتجاوزه إلى بناء شبكة نقل إقليمية تصل لبنان، عبر الأراضي السورية، بالعراق والأردن ودول الخليج وتركيا، بما يخفض كلفة نقل الركاب والبضائع وينشّط التبادل التجاري، ويعزز موقع مرفأ طرابلس كبوابة لشرق المتوسط.
ومنذ ذلك الاجتماع، تتواصل المتابعة الفنية على الأرض؛ إذ أجرى وفدان فنيان لبناني وسوري معاينات ميدانية لخط السكك الحديدية الموجود في مرفأ طرابلس شمال لبنان، وأبدى الجا نب السوري “ملاحظات إيجابية” حول إمكانية الاستفادة منه، على أن تبقى صلاحيته النهائية مرهونة بفحوص تقنية يجريها استشاري مختص. كما أعلن وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط أن العمل جارٍ على توحيد المواصفات والمقاييس بين البلدين تمهيداً لتفعيل المشروع.
حين كان القطار يربط بيروت بدمشق وحلب واسطنبول
لم يكن الربط السككي بين لبنان وسوريا فكرة جديدة، بل استعادة لشبكة تاريخية كانت قائمة فعلاً منذ أواخر العهد العثماني. فقد حصلت شركة فرنسية على ترخيص عام 1891 لإنشاء خط حديدي يربط بيروت بدمشق وحوران، بهدف تسهيل وصول دمشق إلى ميناء بيروت في مواجهة مشاريع بريطانية منافسة كانت تسعى لربط دمشق بيافا.
وفي 3 آب 1895 انطلقت أول رحلة قطار بين بيروت ودمشق عبر رياق، التي تحوّلت لاحقاً إلى محطة مفصلية تلتقي عندها خطوط السكك العابرة للحدود. ومع توسع الشبكة، وصل الخط إلى حلب عام 1906، ثم شُقّ خط طرابلس عام 1911 ووُصل بتركيا عام 1912، لتُصبح سكك الحديد اللبنانية جزءاً من منظومة إقليمية تربط لبنان بسوريا والعراق وتركيا وصولاً إلى أوروبا.
نقلت هذه الشبكة لعقود الركاب بين المدن اللبنانية والسورية، إضافة إلى نقل البضائع والمواد الأولية والمنتجات الزراعية والصناعية، وشكّلت رافعة اقتصادية جعلت من بيروت وطرابلس مركزين رئيسيين للتصدير والاستيراد في المشرق العربي.
الحرب توقف القطار
بدأ الانهيار مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، حين توقفت القطارات عن نقل الركاب، واستمرت لفترة محدودة بنقل البضائع بشكل متقطع، قبل أن تتعرض المحطات والقاطرات والمعدات لأضرار جسيمة نتيجة القتال والاعتداءات المباشرة على الخطوط. ورغم محاولات لإعادة التأهيل طُرحت عام 1983، فشلت جميع المشاريع بسبب عجز الدولة عن تأمين التمويل اللازم.
وسُيّرت آخر رحلة قطار بين بيروت وشكا (شمال لبنان) عام 1994، لتتوقف الخدمة كلياً اعتباراً من عام 1995، ويصبح لبنان - بحسب أوصاف متكررة - من الدول القليلة في العالم التي “استغنت” عملياً عن قطاعها الحديدي، فيما بقي موظفو المؤسسة في ملاك الدولة من دون عمل فعلي.
أما على الجانب السوري، فقد شهدت شبكة السكك الحديدية تدهوراً إضافياً مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين توقفت خطوط رئيسية مثل حلب حماة ودمشق بفعل تصاعد العمليات العسكرية.
طموح العودة… وعقبات الطريق
منذ نهاية الحرب اللبنانية، تكرر الحديث عن ضرورة إحياء القطار كحل جزئي لأزمتَي النقل والازدحام، وتدفقت دراسات لتقدير كلفة إعادة التأهيل، لكن المشاريع اصطدمت باستمرار بعقبات مالية وسياسية حالت دون تنفيذها.
بين إعلان التفاهم وعودة القطار فعلياً مسافة طويلة، تبدأ بتقييم حالة الخطوط القائمة، وتحديد كلفة إعادة التأهيل، وتأمين التمويل، ومعالجة الفجوات في البنية التحتية على جانبي الحدود. لذلك، فإن ما يجري اليوم لا يعني أن القطار سيعود قريباً إلى الخدمة، لكنه يمثل انتقالاً للمشروع من إطار الطرح السياسي إلى مرحلة التنسيق الفني والمعاينة الميدانية. وإذا نجحت هذه المرحلة، فقد تستعيد طرابلس موقعاً كانت تتمتع به قبل عقود، كمحطة لبنانية على شبكة نقل إقليمية تربط شرق المتوسط بالداخل السوري والأسواق العربية
