كثيراً ما ارتبط اسم عماد مغنية بالغموض. لسنوات طويلة، لم تكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية ت ملك، وفق الرواية الإسرائيلية، صورة حديثة وموثوقة له، فيما كانت المعلومات المتداولة عن ملامحه قليلة، وسط اعتقاد بأنه اتخذ احتياطات استثنائية لإخفاء هويته وتغيير شكله. لكن الصورة التي ستصبح لاحقاً إحدى أهم حلقات مطاردته لم تُلتقط له وهو يحمل سلاحاً أو يلتقي مسؤولين، بل في لحظة عائلية عادية: مغنية في دمشق برفقة زوجته وابنه.
هذه الرواية تظهر في كتاب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت «أريزونا كلنا»، الصادر حديثاً، والذي يتناول تفاصيل عملية تدمير المفاعل النووي السوري عام 2007، إلى جانب عمليات استخباراتية إسرائيلية أخرى، بينها تعقب عماد مغنية واغتياله، ومحاولة الوصول إلى شخصيات سورية وإيرانية كانت مرتبطة بالملف نفسه. والكتاب، الذي يقع في 184 صفحة، يقدم رواية من داخل عملية تدمير المفاعل السوري، لكنه يتوسع أيضاً في عمليات سرية ارتبطت بالشخصيات والشبكات المحيطة بالمشروع السوري.
وبحسب ما أورده أولمرت، تمكن عملاء للموساد من تصوير مغنية لدى وصوله إلى دمشق برفقة زوجته وابنه، في وقت كانت فيه الاستخبارات الإسرائيلية تفتقر إلى صورة حديثة واضحة له. ولم يكشف أولمرت الوسيلة التي استخدمها العملاء لالتقاط الصورة، لكن الرواية الإسرائيلية تتحدث عن عملية مراقبة دقيقة لتحركات الرجل الذي كان يعتبر من أكثر الأهداف الاستخباراتية أهمية.
أهمية الصورة لم تكن في كونها صورة جديدة فحسب. أولمرت وصفها بأنها بمثابة «الصورة الذهبية»، لأنها أتاحت، وفق الرواية، التأكد من أن الرجل الذي كان تحت المراقبة هو فعلاً عماد مغنية. كما أنها بددت رواية ظلت متداولة لسنوات، ومفادها أن مغنية خضع لعمليات تجميل غيّرت ملامحه بصورة جذرية كي يصعب على أجهزة الاستخبارات التعرف إليه. وبحسب الرواية التي يقدمها أولمرت، لم يكن الأمر كذلك.
لكن قصة الصورة لا تبدأ، في الواقع، من مغنية نفسه.

من المفاعل السوري إلى عماد مغنية
في تلك الفترة كانت إسرائيل تركز جهوداً استخباراتية مكثفة على سوريا، وخصوصاً على المشروع النووي السري الذي كانت تشتبه في أن دمشق تبنيه في منطقة دير الزور.
ويروي أولمرت في كتابه أن الشكوك حول المفاعل بدأت من ملاحظة لضابطة شابة في الموساد، أطلق عليها الاسم الرمزي «عنات». كانت قد راجعت م واد استخباراتية وخلصت إلى أن سوريا تعمل على بناء منشأة نووية سرية. لم تلقَ فرضيتها في البداية قبولاً لدى المسؤولين عنها، لكنها واصلت التمسك بها، إلى أن بدأت الأدلة تتراكم.
وأصبح الحصول على صور للموقع نقطة حاسمة في بناء الملف الإسرائيلي ضد سوريا. وفي أيلول 2007، قصفت إسرائيل المنشأة النووية في دير الزور ودمرتها. ولم تكن العملية مجرد قرار عسكري، بل سبقتها عملية طويلة من جمع المعلومات والصور والتحقق من طبيعة المنشأة والتنسيق مع الولايات المتحدة. ويكشف أولمرت أن هذه العملية استحوذت على موارد استخباراتية كبيرة، إلى درجة أنها أثرت أيضاً في أولويات جمع المعلومات حول ملفات أمنية إسرائيلية أخرى في تلك الفترة.
وفي أثناء تتبع الشخصيات المرتبطة بالمشروع السوري، ظهر اسم الجنرال محمد سليمان، أحد المقربين من الرئيس السوري بشار الأسد والمسؤول، بحسب الرواية الإسرائيلية، عن جوانب مهمة من المشروع.
وهنا يدخل عماد مغنية إلى القصة.
كان مغنية على علاقة وثيقة بسليمان، ووفق رواية أولمرت، كان يقدم له المشورة بشأن كيفية إخفاء الأدلة المرتبطة بالمشروع النووي السوري. ومع تركيز أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على سليمان وتحركاته وشبكة علاقاته، ظهرت خيوط قادت أيضاً إلى مغنية.
وهكذا لم تكن مطاردة مغنية عملية منفصلة تماماً عن بقية الملفات السورية، بل تداخلت مع شبكة أوسع كانت إسرائيل تحاول تفكيكها: المفاعل، المسؤولون السوريون المرتبطون به، الإيرانيون الذين كانوا على صلة بالملف، ومغنية الذي كان يتحرك بين لبنان وسوريا وإيران.
الرجل الذي لم تكن إسرائيل تعرف وجهه
كان مغنية، بحسب الروايات الإسرائيلية، من أصعب الأهداف الاستخباراتية في المنطقة.
ولم تكن المشكلة في معرفة اسمه أو دوره فقط، بل في تحديد هويته بصرياً. فقد عاش لسنوات في الظل، مستخدماً أسماء ووسائل حماية مختلفة، فيما كانت الصور المتاحة له قديمة أو غير مؤكدة.
وتقول روايات استخباراتية سابقة إن صعوبة التعرف إلى مغنية ارتبطت أيضاً بتداول معلومات عن خضوعه لعمليات تجميل. لكن أولمرت ينفي هذه الفكرة في روايته الجديدة، معتبراً أن الصورة التي التقطها الموساد في دمشق قدمت دليلاً معاكساً.
الأهم أن الصورة التقطت له في ظروف لا توحي بأنها جزء من عملية استخباراتية كبيرة: رجل يصل إلى دمشق برفقة زوجته وابنه. ومن هذه اللحظة العادية، حصلت الاستخبارات الإسرائيلية على ما كانت تحتاج إليه للتأكد من شكله.
«السمكة الصغيرة» التي أفلتت من داغان
في كتاب أولمرت، يعود تاريخ مطاردة مغنية إلى ما هو أبعد من دمشق، إلى لبنان في بداية الثمانينيات.
كان مائير داغان، الذي أصبح لاحقاً رئيساً للموساد، يشغل آنذاك رتبة عقيد ويقود وحدة الارتباط الإسرائيلية في لبنان. ووفق رواية أولمرت، اعتقلت قوات داغان شاباً كان لا يزال في بدايات نشاطه، هو عماد مغنية.
لكن داغان لم يكن يرى فيه آنذاك الشخصية التي ستصبح لاحقاً. وبعد فترة أمر بالإفراج عنه، لأنه اعتقد أنه ليس أكثر من عنصر محدود الأهمية، أو «سمكة صغيرة» بحسب التعبير الذي أورده أولمرت.
كانت تلك واحدة من المفارقات التي اختصر بها أولمرت مسار الرجل: الشخص الذي أمسك به ضابط إسرائيلي في لبنان في بداية صعوده، ولم يعتبره هدفاً ذا قيمة كبيرة، سيصبح بعد سنوات أحد أهم المطلوبين لدى إسرائيل والولايات المتحدة، ثم يصبح مائير داغان نفسه رئيساً للموساد في مرحلة مطاردته.
انضم مغنية لاحقاً إلى حزب الله، وصعد في بنيته العسكرية والأمنية، وتحول تدريجياً إلى شخصية محورية في العمليات الخارجية للحزب وشبكاته المرتبطة بإيران وسوريا، وأصبح اسمه مرتبطاً بسلسلة من الملفات التي جعلته أحد أبرز الأهداف الاستخباراتية في المنطقة.
من لبنان إلى د مشق
لم يعد لبنان، مع مرور الوقت، المكان الوحيد الذي يمكن من خلاله تعقب مغنية.
فبعد حرب تموز 2006، أصبحت دمشق إحدى أهم الساحات التي يتحرك فيها الرجل، بحسب الرواية الإسرائيلية. وكان وجوده في العاصمة السورية يضعه في قلب شبكة العلاقات التي تربط حزب الله بالنظام السوري وإيران.
وفي الوقت نفسه، كانت إسرائيل تراقب دمشق لأسباب تتجاوز حزب الله بكثير. فالمفاعل النووي السوري أصبح أولوية استخباراتية، والمسؤولون المرتبطون به باتوا أهدافاً بحد ذاتهم، فيما كان محمد سليمان أحد أبرز الأسماء في هذه الدائرة.
وبذلك تداخلت ملفات كانت تبدو منفصلة: حزب الله، إيران، سوريا، المفاعل النووي، والمسؤولون عن حمايته، وصولاً إلى مغنية الذي كان يتحرك داخل هذه البيئة.
من الصورة إلى المراقبة
لم تكن الصورة وحدها كافية للوصول إلى مغنية. كانت هناك منظومة مراقبة أوسع.
وتشير الروايات الاستخباراتية التي تناولت العملية إلى أن الموساد تمكن من إنشاء قدرة مراقبة حول الأماكن التي كان مغنية يستخدمها في دمشق، بما في ذلك شقة كان يتردد عليها. كما تحدثت الروايات عن مراقبة حركة الدخول والخروج، وعن متابعة الاتصالات والعلاقات التي كان يجريها.
وبحسب الرواية التي ينقلها أولمرت، كانت أجهزة الاستخبارات تعمل على التأكد من هوية مغنية وحركته، فيما أصبحت قدرات التصوير والاستطلاع التي طورت لمراقبة سوريا جزءاً من عملية تعقبه.
ومع تراكم المعلومات، لم يعد السؤال الأساسي هو أين يوجد مغنية فحسب، بل كيف يمكن التأكد، من دون أي التباس، من أن الشخص الذي تتم مراقبته هو الرجل المطلوب نفسه.
وهنا أصبحت الصورة العائلية عنصراً حاسماً.
قاسم سليماني ومحمد سليمان في المشهد
من أكثر التفاصيل إثارة في الرواية الجديدة ما يتعلق بالساعات التي سبقت اغتيال مغنية.
بحسب ما أورده أولمرت، وصل إلى شقة مغنية في دمشق، قبل ساعات من مقتله، كل من الجنرال السوري محمد سليمان وقاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني آنذاك.
وجود الرجلين في المكان نفسه جعل المشهد أكثر حساسية، لأن كلاً منهما كان يمثل حلقة مهمة في الشبكة التي كانت إسرائيل تراقبها: سليمان داخل الدائرة الأمنية الضيقة للأسد والمسؤول عن ملفات مرتبطة بالمشروع النووي السوري، وسليماني باعتباره المسؤول الإيراني الأبرز عن العلاقة مع الحلفاء المسلحين في المنطقة، وبينهم حزب الله.
لكن العملية لم تستهدفهما.
وبحسب رواية أولمرت، كان هناك تفاهم أميركي يقضي بأن يكون الهدف محدداً، وأن يُقتل مغنية وحده، وهو ما جعل القوات الإسرائيلية تمتنع عن استهداف سليماني ومحمد سليمان رغم وجودهما في محيط الهدف.
وهذا التفصيل يضيف بعداً آخر إلى عملية الاغتيال: لم تكن المسألة مجرد العثور على مغنية، بل تحديده وسط شبكة من الشخصيات التي كانت موجودة حوله، ثم اتخاذ قرار بأن يكون هو وحده الهدف.
من خطف الطائرات إلى قائمة المطلوبين
ارتبط اسم مغنية في الولايات المتحدة بعدد من العمليات الكبرى التي نُسبت إلى شبكات مرتبطة بحزب الله، ومن بينها خطف طائرة TWA 847 عام 1985.
في 14 حزيران 1985، كانت الطائرة تقوم برحلة من أثينا إلى روما عندما خطفها مسلحون. وأجبرت الطائرة على التنقل بين بيروت والجزائر وبيروت مجدداً خلال أزمة استمرت 17 يوماً، واحتُجز 153 راكباً وعضواً في الطاقم.
وخلال عملية الخطف، تعرض المسافرون للضرب والتهديد، وقُتل الغطاس في البحرية الأميركية روبرت ستيثم بعد تعرضه للضرب وإطلاق النار عليه وإلقائه من باب الطائرة في مطار بيروت.
وهنا يجب التفريق بدقة: مغنية ارتبط اسمه بالملف الأميركي وباتهامات بالضلوع في الإرهاب والعمليات المرتبطة بحزب الله، لكن وصفه بأنه أحد منفذي عملية الخطف على متن الطائرة يحتاج إلى تدقيق. فقد حددت التحقيقات الأميركية أسماء أشخاص آخرين بوصفهم الخاطفين أو المتهمين المباشرين في القضية.
وظل مغنية خارج قبضة السلطات الأميركية والإسرائيلية، بينما كانت صورته وملامحه نفسها جزءاً من المشكلة التي واجهت أجهزة تعقبه.
لحظة الحسم في دمشق
بحسب الرواية التي يرويها أولمرت، جاءت النهاية في دمشق في شباط 2008.
كانت إسرائيل قد أصبحت قادرة على التعرف إلى مغنية بصورة أكثر موثوقية بفضل الصورة التي حصلت عليها في وقت سابق. وفي ليلة العملية، خرج مغنية من المبنى، وكانت هناك ضابطتان من الموساد مكلفتان بالتأكد من هويته.
وبحسب الرواية، استخدمتا الصورة الحديثة التي التقطت له مع زوجته وابنه للتأكد من أن الرجل الذي ظهر أمامهما هو بالفعل الهدف المطلوب.
بعد ذلك، جرى تنفيذ العملية.
تقول الرواية الإسرائيلية إن الموساد تعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA في العملية، وإن عبوة ناسفة زُرعت في سيارة بالقرب من المكان الذي كان مغنية موجوداً فيه.
وكان الشرط الأميركي، وفق رواية أولمرت، أن تكون العملية محددة للغاية، وأن تستهدف مغنية دون التسبب في سقوط ضحايا آخرين.
في 12 شباط 2008، انفجرت العبوة في دمشق، وقُتل عماد مغنية.
لكن قصة الاغتيال لم تنتهِ عند هذا الحد.
محمد سليمان: الهدف الذي جاء بعد مغنية
بعد أشهر من اغتيال مغنية، ظهر اسم آخر من الدائرة نفسها في عملية اغتيال جديدة.
كان محمد سليمان، الرجل المقرب من بشار الأسد والمسؤول، بحسب الرواية الإسرائيلية، عن جوانب أساسية من المشروع النووي السوري، قد أصبح هدفاً إسرائيلياً.
وفي آب 2008، قُتل سليمان في مدينة طرطوس السورية.
وهنا يقدم أولمرت في كتابه رواية تفصيلية للغاية عن العملية. يقول إن مقاتلين من وحدة الكوماندوس البحري الإسرائيلية «شاييتت 13» خرجوا من البحر ليلاً واقتربوا من المكان الذي كان سليمان يجلس فيه على شرفة منزله مع عدد من ضيوفه.
تمكن القناصة من الاقتراب إلى مسافة نحو 150 متراً، والتعرف إلى سليمان بصورة مؤكدة، ثم أطلقوا النار عليه، قبل أن ينسحبوا إلى البحر ويعودوا إلى القارب الذي كان ينتظرهم.
وبحسب الرواية، أصيب سليمان بثلاث رصاصات في مؤخرة الرأس.
بقيت إسرائيل رسمياً صامتة بشأن العملية لسنوات، لكن أولمرت يكشف الآن أن إسرائيل كانت وراءها.
واللافت أن حسن نصرالله تحدث لاحقاً عن اغتيال سليمان، وقال إن إسرائيل تقف وراء العملية، وربط ذلك بدور سليمان في حرب لبنان الثانية.
وهكذا يظهر اغتيال سليمان، في رواية أولمرت، كحلقة أخرى في السلسلة نفسها: رجل سوري كان مرتبطاً بالمشروع النووي، وله صلات وثيقة بالدوائر التي كان مغنية يتحرك داخلها، ثم أصبح هدفاً لعملية إسرائيلية بعد أشهر فقط من اغتيال مغنية.
شبكة واحدة تمتد من بيروت إلى دمشق وطهران
ما يجعل رواية أولمرت لافتة هو أنها لا تقدم مغنية باعتباره هدفاً لبنانياً منفرداً، بل تضعه داخل شبكة إقليمية أوسع.
فالرجل الذي بدأ مساره في لبنان، وصعد داخل حزب الله، أصبح يتحرك في دمشق ويلتقي مسؤولين سوريين وإيرانيين، فيما كانت إسرائيل تراقب في الوقت نفسه البرنامج النووي السوري والعلاقات المحيطة به.
وبهذه الطريقة، أصبحت الحدود بين الملفات أقل وضوحاً: ما بدأ كملف حزب الله في لبنان وصل إلى سوريا، وما كان ملفاً سورياً أصبح مرتبطاً بإيران، وما كان برنامجاً نووياً سرياً قاد إلى شبكة من المسؤولين والشخصيات، كان مغنية واحداً من أبرزها.
ولهذا، فإن قصة اغتيال مغنية لا يمكن فصلها تماماً عن حرب لبنان الثانية ولا عن العلاقة بين حزب الله وسوريا وإيران.
«السمكة الصغيرة» التي أصبحت هدفاً عالمياً
تعود المفارقة إلى البداية.
مائير داغان، الضابط الإسرائيلي الذي أمسك بمغنية في لبنان عندما كان شاباً ولم يعتبره هدفاً ذا أهمية، أصبح لاحقاً رئيساً للموساد في واحدة من أكثر المراحل حساسية في مطاردة الرجل.
ومغنية، الذي خرج من ذلك الاعتقال حراً، تحول بعد سنوات إلى أحد أهم قادة العمل العسكري والأمني لحزب الله، وإلى اسم موجود على قوائم المطلوبين الأميركية والإسرائيلية.
ثم ظهر في صورة عائلية في دمشق.
الصورة التي لم تكن تبدو في ظاهرها أكثر من لقطة لرجل مع زوجته وابنه، أصبحت، وفق رواية أولمرت، أداة استخباراتية حاسمة لتأكيد هويته.
ومن لبنان في بداية الثمانينيات إلى دمشق في 2008، مرّ أكثر من ربع قرن تغيرت خلاله صورة الرجل بالكامل: من «سمكة صغيرة» في نظر داغان إلى هدف تتشارك أجهزة استخبارات عدة في تعقبه.
الصورة التي بقيت بعد الرجل
المفارقة في القصة أن مغنية، الذي بنى حياته الأمنية على إخفاء وجهه، انتهى به الأمر إلى أن تصبح صورة عائلية عابرة واحدة من أهم الأدوات التي استخدمت للتأكد من هويته.
لم يكن في الصورة سلاح، ولا اجتماع سري، ولا عملية عسكرية. كان فيها رجل وزوجته وابنه. لكن بالنسبة إلى جهاز استخبارات كان يبحث عن إجابة لسؤال واحد، كانت الصورة أكثر قيمة من ذلك بكثير: هل الرجل الذي تتم مراقبته هو عماد مغنية فعلاً؟
بحسب رواية أولمرت، كانت الإجابة نعم.
ومن هنا أخذت القصة مسارها الأخير: صورة، ثم مراقبة، ثم تأكيد للهوية، ثم عملية انتهت بانفجار في دمشق أودى بحياة أحد أكثر رجال حزب الله غموضاً في العقود الأخيرة.
لكن الرواية لا تغلق كل الأسئلة.
فحتى بعد مرور سنوات على اغتيال مغنية، بقيت تفاصيل كثيرة من العملية في المنطقة الرمادية بين ما أعلنته أجهزة الاستخبارات، وما كشفه مسؤولون إسرائيليون سابقون، وما تداولته الصحافة، وما لم يُكشف أصلاً.
والثابت أن الرجل الذي نجح لعقود في الاختفاء عن الكاميرات لم يسقط، وفق هذه الرواية، بسبب عملية مطاردة مباشرة فقط، بل بسبب سلسلة طويلة من الخيوط الاستخباراتية بدأت في لبنان، وانتقلت إلى سوريا، وتقاطعت مع المشروع النووي السوري والعلاقات الإيرانية، وانتهت بصورة التقطت في دمشق لرجل لم يكن يعرف أن الكاميرا التي تراقبه ستصبح جزءاً من الطريق إلى نهايته.
