تجد القيادة السورية الجديدة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: الولايات المتحدة تريد منها دوراً أكبر في مواجهة حزب الله في لبنان، فيما تبدو دمشق حريصة على تجنّب الانجرار إلى مواجهة عسكرية قد تفتح عليها أبواباً لا تزال غير مستعدة لها.
شاهد فيديو عن طريقة تفكير أحمد الشرع بالملف اللبناني/ الرجاء النقر هنا
هذا هو السؤال الذي يطرحه تحليل نشره معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط (MEMRI)، بعنوان: «بين الرفض العلني والضغط الأميركي: هل ستتدخل سوريا عسكرياً ضد حزب الله في لبنان؟». ويظهر التحليل ضمن سلسلة «تحقيق وتحليل» التابعة للمعهد، فيما تشير نتائج موقعه إلى نشر المادة في آب 2026. (MEMRI)
واشنطن تريد دوراً سورياً أكبر
ينطلق التحليل من أن الملف اللبناني لم يعد منفصلاً عن إعادة تشكيل الدور السوري في المنطقة. فمع تراجع النفوذ ال إيراني في سوريا وتبدل موقع دمشق الإقليمي، باتت الولايات المتحدة تنظر إلى سوريا الجديدة باعتبارها طرفاً يمكن أن يساهم في الحد من قدرة حزب الله على إعادة بناء نفوذه وشبكاته.
لكن المشكلة أن المطلوب من دمشق ليس مجرد ضبط الحدود أو منع تهريب السلاح، بل أن تتحول، وفق السيناريو الذي يناقشه التحليل، إلى لاعب مباشر في مواجهة حزب الله داخل لبنان.
وهنا تبدأ المعضلة.
فالقيادة السورية الجديدة، بحسب القراءة التي يقدمها التحليل، لا تبدو مستعدة للانخراط في حرب مفتوحة داخل الأراضي اللبنانية. فسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة تحتاج إلى تثبيت سلطتها داخلياً، وإعادة بناء جيشها وأجهزتها الأمنية، قبل الدخول في مواجهة مع قوة لبنانية مسلحة تمتلك خبرة عسكرية واسعة.
لماذا يصعب على دمشق دخول لبنان؟
أي تدخل عسكري سوري في لبنان سيحمل معه أكثر من مخاطرة.
أولاً، سيكون على دمشق أن تخوض مواجهة مع حزب الله في بيئة لبنانية معقدة، حيث يمكن لأي تحرك عسكري أن يتحول سريعاً إلى صراع سياسي وطائفي يتجاوز الهدف الأصلي للعملية.
ثانياً، سيضع التدخل سوريا في مواجهة مباشرة مع شبكة المصالح الإيرانية في المنطقة. فحزب الله ليس مجرد تنظيم لبناني بالنسبة إلى طهران، بل يمثل إحدى أهم أدوات نفوذها الإقليمي.
وثالثاً، هناك عامل شديد الحساسية داخل لبنان نفسه: الذاكرة الثقيلة للوجود العسكري السوري السابق.
فعودة القوات السورية إلى الأراضي اللبنانية، حتى تحت عنوان مواجهة حزب الله، يمكن أن تستحضر لدى شرائح واسعة من اللبنانيين تجربة الوصاية السورية، وتحوّل أي عملية عسكرية إلى قضية سيادة لبنانية بقدر ما هي قضية أمنية.
السؤال الأصعب: هل يستطيع الجيش السوري أصلاً؟
إلى جانب الحسابات السياسية، هناك سؤال عسكري مباشر: هل يملك الجيش السوري الجديد القدرة على خوض حرب ضد حزب الله؟
حزب الله تعرض لضربات قاسية وخسر جزءاً كبيراً من قدراته وقياداته خلال المواجهات الأخيرة، لكن ذلك لا يعني أنه تحول إلى قوة سهلة الاستهداف.
وأي عملية سورية واسعة داخل لبنان ستحتاج إلى قدرات استخبارية ولوجستية وعسكرية كبيرة، وإلى قدرة على السيطرة على مناطق واسعة والحفاظ عليها، فضلاً عن تحمل كلفة بشرية وسياسية مرتفعة.
لهذا، يبدو أن الرهان على دخول الجيش السوري في حرب مباشرة قد يكون أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به الحسابات السياسية في واشنطن.
البديل: سوريا كحاجز أمام إعادة بناء حزب الله
السيناريو الأكثر واقعية قد لا يكون إرسال القوات السورية إلى لبنان، بل استخدام الموقع الجغرافي لسوريا لمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته.
وهذا يعني التركيز على الحدود السورية ـ اللبنانية، وشبكات التهريب، وخطوط نقل السلاح، والممرات التي يمكن أن تستخدمها إيران لإعادة بناء قدرات الحزب.
بهذا المعنى، تستطيع دمشق أن تؤدي دوراً مهماً في إضعاف حزب الله من دون أن تصبح طرفاً مباشراً في الحرب.
وهذا الدور قد يكون أكثر قبولاً بالنسبة إلى واشنطن أيضاً: سوريا لا تحارب حزب الله داخل لبنان، لكنها تمنع إعادة بناء البنية التي تسمح له باستعادة قدراته العسكرية.
المفارقة الإسرائيلية
ثمة مفارقة أخرى في هذا السيناريو.
إسرائيل تريد إضعاف حزب الله وتقليص النفوذ الإيراني في لبنان، لكنها ليست بالضرورة معنية بظهور قوة سورية عسكرية كبيرة داخل لبنان.
فإذا دخل الجيش السوري إلى لبنان وتمكن من تحجيم حزب الله، فقد تنتقل بعض أوراق القوة في الساحة اللبنانية من حزب الله إلى دمشق.
وبذلك قد تنجح إسرائيل في التخلص من خصم، لكنها تجد نفسها أمام ل اعب إقليمي آخر أكثر حضوراً على حدودها الشمالية.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن اختزال المسألة في معادلة بسيطة من نوع: سوريا تحارب حزب الله، وإسرائيل وواشنطن تستفيدان.
فالنتيجة النهائية قد تكون إعادة رسم ميزان القوى في المشرق بطريقة لا يمكن التحكم بها بسهولة.
إيران لن تقف متفرجة
أي تدخل سوري مباشر ضد حزب الله سيضع دمشق أمام اختبار آخر: كيفية التعامل مع إيران.
فحتى في حال تراجع النفوذ الإيراني داخل سوريا، فإن طهران لا تزال تملك مصالح استراتيجية في لبنان، وحزب الله يبقى أحد أهم عناصر نفوذها الإقليمي.
ومن هنا، فإن مواجهة سورية ــ حزب الله قد تتحول بسرعة إلى مواجهة أوسع، خصوصاً إذا حاولت إيران إعادة تفعيل شبكاتها في العراق أو سوريا أو لبنان للضغط على دمشق.
وهذا تحديداً ما يجعل واشنطن حذرة في دفع سوريا نحو مواجهة عسكرية مفتوحة.
من لبنان إلى سوريا… إعادة توزيع الأدوار
الأهمية الحقيقية للتحليل لا تكمن فقط في السؤال عما إذا كان الجيش السوري سيدخل لبنان، بل في أنه يكشف عن إعادة توزيع محتملة للأدوار الإقليمية.
في المرحلة السابقة، كانت إيران تعتمد على سوري ا كحلقة أساسية في طريق إمداد حزب الله وتعزيز نفوذه في لبنان.
أما اليوم، فتريد الولايات المتحدة وحلفاؤها أن تتحول سوريا من ممر للنفوذ الإيراني إلى حاجز أمامه.
وهذا التحول، إذا نجح، قد يكون أكثر أهمية من أي عملية عسكرية سورية داخل لبنان.
فالمعادلة الجديدة قد تصبح:
سوريا تضبط الحدود، لبنان يستعيد السيطرة على أراضيه وسلاحه، وإسرائيل تنسحب تدريجياً من الأراضي اللبنانية، مقابل ضمانات أمنية وترتيبات إقليمية جديدة.
لكن نجاح هذه المعادلة يتوقف أولاً على قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها، وعلى استعداد حزب الله للتخلي عن جزء أساسي من قدرته العسكرية، وعلى قدرة دمشق على ضبط حدودها.
هل ستدخل سوريا لبنان؟
حتى الآن، لا يبدو أن التدخل العسكري السوري المباشر هو السيناريو الأكثر ترجيحاً.
الأكثر واقعية هو أن تؤدي دمشق دوراً أمنياً واستخبارياً وحدودياً، وأن تتعاون مع واشنطن ودول إقليمية في منع إعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله، من دون أن ترسل جيشها إلى مواجهة مفتوحة داخل لبنان.
لكن مجرد طرح فكرة التدخل السوري يكشف أن ملف حزب الله لم يعد لبنانياً فقط.
فالمسألة باتت جزءاً من إعادة تشكيل النظام الإقليمي كله: إيران تحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذها، إسرائيل تريد إزالة التهديد على حدودها الشمالية، واشنطن تريد إعادة ترتيب المنطقة بأقل كلفة عسكرية ممكنة، بينما تحاول دمشق الجديدة تثبيت موقعها من دون أن تتحول إلى أداة في صراع الآخرين.
وهنا تكمن العقدة الأساسية: هل تستطيع سوريا أن تساعد في إنهاء نفوذ حزب الله من دون أن تصبح هي نفسها طرفاً في الحرب اللبنانية؟
هذا هو الاختبار الذي سيحدد، إلى حد بعيد، شكل العلاقة بين دمشق وبيروت وواشنطن في المرحلة المقبلة.
