هل تجد نفسك تقول «شكراً» مراراً حتى على أبسط الخدمات؟ هل تعتذر كثيراً عندما تطلب شيئاً من الآخرين، أو تشعر بالحرج لمجرد أن أحداً قدّم لك خدمة صغيرة؟ قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد تعبير زائد عن الأدب والامتنان، إلا أن بعض الدراسات النفسية تشير إلى أن تكرار الشكر بشكل مفرط قد يرتبط أحياناً بحاجات نفسية أعمق.
فالشخص الذي يشكر زميله أكثر من مرة لمجرد أنه سلّمه ملفاً، أو يكرر امتنانه لمن فتح له الباب، أو يعتذر باستمرار خوفاً من إزعاج الآخرين، قد لا يكون فقط شديد التهذيب، بل ربما يبحث، من خلال هذه التصرفات، عن الطمأنينة أو القبول الاجتماعي.
الشكر.. أكثر من مجرد كلمة
يُعد التعبير عن الامتنان من السلوكيات الإيجابية التي تساعد على بناء العلاقات وتعزيز الروابط الاجتماعية. فعندما نشكر شخصاً على مساعدته، فإننا نُظهر تقديرنا لما قام به ونرسخ شعوراً متبادلاً بالتقدير.
وتشير أبحاث في علم النفس إلى أن الامتنان يمكن أن يساهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية والشعور بالرفاه، كما أن تقدير الأفعال الإيجابية التي يقوم بها الآخرون قد يشجع على تكرار السلوكيات التي تعود بالنف ع على الطرفين.
لكن المشكلة لا تكمن في قول «شكراً»، بل في الطريقة التي يتحول بها الشكر أحياناً إلى حاجة متكررة إلى تأكيد رضا الآخرين وقبولهم.
عندما يتحول الشكر إلى طلب للطمأنينة
قد يرتبط الإفراط في الشكر لدى بعض الأشخاص بالحاجة إلى الحصول على التقدير أو التأكد من أن الآخرين لا يشعرون بالانزعاج منهم.
ويظهر ذلك في مواقف يومية بسيطة: شخص يعتذر قبل أن يطلب مساعدة، أو يكرر الشكر بعد الحصول عليها، أو يشعر بأنه مدين للآخر حتى عندما تكون الخدمة عادية ومتبادلة بين الناس.
وفي بعض الحالات، قد يكون وراء هذا السلوك خوف من إزعاج الآخرين أو رغبة قوية في الحفاظ على صورة إيجابية أمامهم. وقد يدفع ذلك الشخص إلى مراقبة ردود أفعال المحيطين به باستمرار، بحثاً عن إشارات تؤكد أنه محبوب ومقبول.
القلق والخوف من إرضاء الآخرين
يمكن أن يترافق هذا النمط من السلوك، لدى بعض الأشخاص، مع مستويات مرتفعة من القلق أو الحاجة إلى الطمأنة. فبدلاً من أن يكون «شكراً» مجرد تعبير طبيعي عن الامتنان، قد يصبح وسيلة لتخفيف القلق الداخلي والتأكد من أن العلاقة مع الآخر ما زالت جيدة.
وقد يظهر الأمر أيضاً في صورة اعتذارات متكررة، حتى عندما لا يكون هناك خطأ يستدعي الاعتذار، أو تردد في طلب أبسط الأمور، خشية أن يُنظر إلى الشخص على أنه عبء أو مصدر إزعاج.
ومع الوقت، قد يؤدي السعي المستمر إلى إرضاء الآخرين إلى إرهاق نفسي، خصوصاً إذا أصبح الشخص يربط قيمته الشخصية بمدى رضا المحيطين به عنه.
هل الإفراط في الشكر يعني ضعف الشخصية؟
ليس بالضرورة. فالشكر المتكرر وحده لا يكفي للحكم على شخصية الإنسان أو حالته النفسية، ولا يعني تلقائياً أنه يعاني من القلق أو ضعف الثقة بالنفس.
قد يكون السبب ببساطة هو التربية، أو الثقافة، أو طبيعة الشخصية، أو الاعتياد على استخدام عبارات الامتنان بكثرة. لذلك لا يمكن تحويل سلوك واحد إلى تشخيص نفسي.
المهم هو الانتباه إلى الدافع وراء هذا السلوك: هل تقول «شكراً» لأنك ممتن فعلاً؟ أم لأنك تشعر بأن عليك دائماً كسب رضا الآخرين؟ وهل تعتذر لأنك أخطأت، أم لأنك تخشى أن يكون مجرد طلبك عبئاً على شخص آخر؟
أين يكمن التوازن؟
الامتنان سلوك صحي وإيجابي، ولا حاجة إلى التوقف عن شكر الآخرين خوفاً من أن يكون ذلك «زائداً». لكن من المفيد أيضاً أن يتعلم الشخص الفصل بين الأدب الطبيعي والحاجة المستمرة إلى الحصول على التطمين.
أن تقول «شكراً» عندما يقدم لك أحدهم خدمة أمر طبيعي وجميل. أما أن تشعر بالذنب لمجرد أنك طلبت مساعدة بسيطة، أو أن تعتذر باستمرار عن وجودك واحتياجاتك، فقد يكون ذلك مؤشراً يستحق التأمل في العلاقة مع الذات ومع الآخرين.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بعدد مرات قول «شكراً»، بل بالسبب الذي يدفعنا إلى قولها. فالامتنان الذي ينبع من التقدير يقرّب الناس من بعضهم، أما عندما يصبح الشكر وسيلة دائمة للحصول على القبول والطمأنينة، فقد يكون من المفيد التوقف قليلاً والسؤال: هل أشكر لأنني ممتن، أم لأنني أخشى ألا أكون مقبولاً؟
