عندما يدخل الشعور بالرغبة والانجذاب إلى المعادلة، يميل الدماغ البشري إلى المبالغة في تقدير اهتمام الطرف الآخر، والتقليل من أهمية بعض العلامات التي تشير إلى عدم وجود اهتمام حقيقي.
بعد موعد غرامي، قد يعيد الشخص قراءة الرسائل، ويحلل ابتسامة أو مزحة أو مجاملة، مقتنعاً بأن شيئاً ما بدأ يتشكل. لكن بعد أيام قليلة قد يختفي الطرف الآخر أو يوضح أنه لا يبحث عن علاقة جدية. فلماذا يصعب علينا أحياناً إدراك أن المشاعر ليست متبادلة؟
وفقاً لدراسة نُشرت في مجلة Personality and Social Psychology Bulletin، فإن الإثارة الجنسية قد تؤثر في طريقة إدراكنا للتفاعلات العاطفية، وتجعلنا أقل انتباهاً إلى إشارة أساسية، وهي غياب اهتمام الطرف الآخر. وأظهرت هذه الأبحاث، التي أجرتها عالمة النفس Gurit Birnbaum، أن الرغبة قد تدفع الإنسان أحياناً إلى رؤية علامات اهتمام في مواقف لا تزال غامضة فقط.
الرغبة تخلق نوعاً من “الرؤية النفقية”
خلال سلسلة من التجارب، طلب الباحثون من أشخاص عازبين إجراء محادثات عبر الإنترنت مع شخص قُدّم لهم على أنه شريك محتمل. وقبل بدء الحوار، شاهد بعض المشاركين مقطعاً ذا طابع مثير، بينما شاهد آخرون مقطعاً محايداً.
وكانت النتائج لافتة؛ إذ كان الأشخاص الذين تعرضوا للمحتوى المثير أكثر ميلاً إلى الاعتقاد بأن الطرف الآخر مهتم بهم، حتى عندما كان هذا الطرف يرسل إشارات غامضة عمداً.
وتشرح بيرنباوم: “الإثارة الجنسية جعلت المشاركين أكثر ميلاً بشكل واضح إلى تفسير التفاعلات الغامضة بطريقة متفائلة.”
فعندما يكون الانجذاب موجوداً، يميل الدماغ إلى التركيز على المؤشرات الإيجابية وتجاهل العلامات التي قد تشير إلى الرفض.
ويتحدث الباحثون عن نوع من “الرؤية النفقية”، حيث يتركز الانتباه على كل ما يغذي الأمل. فتصبح رسالة ودية، أو نظرة طويلة، أو مجاملة، أكثر أهمية بكثير من تأخر الرد أو غياب المبادرة من الطرف الآخر.
على سبيل المثال، قد يتذكر الشخص أن الطرف الآخر قال له: “لقد قضيت وقتاً رائعاً”، لكنه يتجاهل أنه لم يقترح أبداً لقاءً جديداً. أو قد يفسر وجود انسجام معين على أنه دليل على الانجذاب، بينما قد يكون مجرد لطف أو تعاطف.
لماذا يفضّل دماغنا أحياناً الأمل على الواقع؟
يرى الباحثون أن هذا الانحياز ليس بالضرورة عيباً. ففي بداية العلاقات، يحتاج الإنسان إلى قدر من التفاؤل حتى يجرؤ على الاقتراب من الآخر رغم احتمال التعرض للرفض.
وتقول بيرنباوم إن “الإدراك يتجه نحو تفسير أكثر أملاً”، موضحة أن هذه الآلية تساعدنا على تجاوز الخوف من الرفض وتشجعنا على اتخاذ خطوات عاطفية.
لكن لهذا الميل حدوداً أيضاً، إذ أظهرت الدراسة أن الرغبة قد تجعلنا أقل قدرة على فهم النوايا الحقيقية للطرف الآخر. وتؤكد الباحثة أن “الرغبة قد تحجب قدرتنا على إدراك رغبات الشخص الآخر الفعلية.”
والخبر الجيد هو أن هذا التأثير يختفي عندما يكون الرفض واضحاً وصريحاً. ففي تجربة أخيرة، تلقى المشاركون رسالة مباشرة من الطرف الآخر تقول مثلاً: “تبدو شخصاً لطيفاً جداً، لكنني أبحث عن شيء مختلف.” وفي هذه الحالة، لم تعد حتى الإثارة الجنسية قادرة على تغيير نظرتهم للموقف.
وتذكّر هذه النتيجة بأهمية التمييز بين الإشارات الغامضة والإشارات الواضحة. ففي العلاقات العاطفية، قد يجعلنا الأمل أحياناً نرى ما نرغب في رؤيته، لكن عندما يوضح شخص ما بشكل صريح أنه غير مهتم، فإن الرسالة الأكثر موثوقية تبقى غالباً الأبسط: تصديق ما يقوله.
