تقدير بحثي: قاسم يعيد بناء القيادة وسط تراجع تأثير السلطة الشخصية وصعود الدور الإيراني… واللامركزية تعزز الصمود لكنها قد تضعف التنسيق الاستراتيجي
نجح حزب الله في الحفاظ على استمراريته التنظيمية والعسكرية، رغم الضربات غير المسبوقة التي استهدفت قيادته العليا، لكنه لم يتمكن، على الأرجح، من استعادة مستوى القيادة والقدرات القتالية التي ميّزته في عهد أمينه العام السابق حسن نصرالله. هذا ما خلصت إليه دراسة جديدة أعدّها يوفال روزنبرغ، ونشرها معهد عميت لأبحاث الإرهاب والاستخبارات، التابع للمركز الحكومي لإحياء تراث الاستخبارات وأبحاثها في إسرائيل.
وتتناول الدراسة وضع حزب الله بعد سنوات من المواجهة العسكرية مع إسرائيل، منذ 8 تشرين الأول 2023، وهي مواجهة ألحقت أضراراً جسيمة بهرم القيادة، وأدت إلى اغتيال عشرات من كبار المسؤولين والقادة العسكريين، وفي مقدّمهم نصرالله وخليفته المعيّن هاشم صفي الدين.
وأجبرت هذه الخسائر الحزب على إعادة ملء مواقع أساسية في مؤسساته القيادية والعسكرية، مستعيناً بمزيج من الكوادر المخضرمة والقادة الجدد، في وقت بقيت فيه غالبية التعيينات في المناصب العليا بعيدة من الإعلان العلني.
قاسم يعيد ترتيب القيادة
منذ تولّيه منصب الأمين العام في تشرين الأول 2024، عمل نعيم قاسم على ترسيخ موقعه وإعادة بناء القيادة، من خلال تركيز الصلاحيات، وتنظيم توزيع المسؤوليات بين أجهزة الحزب، وتعزيز دائرة المقربين منه.
لكن الدراسة تشير إلى اختلاف في طبيعة موقعه مقارنة بسلفه نصرالله. فبينما استند الأخير إلى سلطة شخصية متراكمة وخبرة طويلة وشبكة من العلاقات المباشرة مع القيادات المخضرمة، يعتمد قاسم بدرجة أكبر على الإطار المؤسسي والتعاون مع كبار المسؤولين في الحزب. ولا يزال مدى تأثيره الشخصي في القرارات العسكرية والاستراتيجية غير واضح.
جيل جديد من القادة ودور إيراني متصاعد
في ظل الخسائر الكبيرة التي أصابت القيادة العسكرية، يسعى حزب الله، وفق الدراسة، إلى الدفع بجيل جديد من القادة الشباب الأقل شهرة، بهدف الحد من قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على اختراق الدائرة الداخلية للتنظيم واستهداف قياداته.
وتشمل الإجراءات المتخذة في هذا السياق تشديد السرية والفصل الأمني، وتعيين نواب للقادة لضمان استمرار التسلسل القيادي في حال اغتيال مسؤولين آخرين، فضلاً عن توسيع الاستقلالية العملياتية للوحدات الصغيرة، بما يتيح لها مواصلة القتال وفق أساليب حرب العصابات.
وتؤكد الدراسة أن الحرس الثوري الإيراني يؤدي دوراً مهماً في إعادة بناء المنظومة العسكرية للحزب، وتدريب القادة، وتجديد آليات القيادة والسيطرة. كما تشير إلى تقارير عن تدخل إيراني في عملية صنع القرار، والتنسيق العملياتي وتوجيه العمليات.
لامركزية تعزز الصمود وقد تضعف التنسيق
وفق تقدير معهد عميت، ينتقل حزب الله تدريجياً من نموذج قيادي يستند إلى السلطة الشخصية والخبرة المتراكمة والروابط المباشرة بين كبار المسؤولين، إلى منظومة أكثر لامركزية وتشدداً في الفصل الأمني، تتوزع فيها الصلاحيات بين مراكز قوى متعددة، مع تزايد أهمية الدور الإيراني.
وقد يعزز هذا التحول قدرة المنظومة العسكرية على الصمود، ويجعل استهداف سلسلة القيادة أكثر صعوبة، لكنه قد يضعف، في المقابل، تماسك التنظيم والتنسيق بين وحداته وقدرته على بلورة استراتيجية موحدة.
وبناءً على ذلك، لا يتمثل التحدي الأساسي أمام قيادة حزب الله الجديدة في ملء الشواغر القيادية أو ضمان استمرار النشاط العسكري فحسب، بل في قدرتها على تحويل المنظومة التي أُعيد بناؤها إلى قيادة فعّالة، تستطيع التنسيق بين المستوى السياسي والقيادة العسكرية والجهة الإيرانية الراعية.
وتخلص الدراسة إلى أن الحفاظ على الاستمرارية التنظيمية لا يعني بالضرورة استعادة مستوى الفاعلية الذي اتسمت به قيادة الحزب في عهد نصرالله، وأن قدرة القيادة الجديدة على تحقيق التماسك الاستراتيجي ستظل عاملاً أساسياً في تحديد مسار إعادة بناء الحزب.
