من الرياض، يعود الصوت الذي لم تنجح السنوات في إسكاته
لم تكن عودة فضل شاكر مجرّد حدث فني، ولا مجرّد حفلٍ يعود فيه مطرب إلى جمهوره بعد غياب طويل. كانت عودته مشهداً يتجاوز المسرح والأغنية، ويتقاطع مع لحظة سياسية كبرى، عنوانها سقوط نظام بشار الأسد وانتصار الثورة السورية.
لن نتحدّث عن الحنجرة التي أطربت جيلاً كاملاً، فذلك بابٌ آخر لا خلاف على موهبته فيه. سنتحدّث عن الرجل الذي قال يوماً، في زمنٍ كان فيه كثيرون يحسبون كلماتهم ألف حساب: «الله يدمّر بشار الأسد».
كلمات قليلة، لكنها كانت كافية لتفتح فصلاً طويلاً من الجدل والغياب، وتحوّل صاحبها من فنانٍ حاضر في الوجدان إلى اسمٍ غائب عن المسارح، تحيط به أسئلة السياسة والقضاء والصورة التي رسمتها السنوات.
أربعة عشر عاماً مرّت، تغيّرت خلالها وجوه وموازين، وسقطت رهانات ظنّ أصحابها أنها أبدية. وبينما كان كثيرون يعتقدون أن الزمن كفيل بطيّ صفحة فضل شاكر، بقي صوته حاضراً في ذاكرة جمهوره، وبقي اسمه قادراً على استحضار حكاية أكبر من الغناء.
ثم دارت الأيام.
سقط بشار الأسد، وعاد فضل شاكر إلى المسرح، في مشهدٍ يصعب على كثيرين قراءته بمعزل عن التحوّلات التي شهدتها المنطقة. لم تكن العودة مجرّد استعادة لأغنيات قديمة، بل بدت، في عيون محبّيه، كأنها استعادة لحقّ الغائب في أن يُسمَع من جديد، بعد سنواتٍ بدا فيها أن الغياب سيطوي حكايته إلى الأبد.
وهنا تكمن رمزية المشهد: رجلٌ دفع ثمناً باهظاً لموقفٍ سياسي عبّر عنه، يعود إلى جمهوره فيما النظام الذي عارضه لم يعد قائماً. وكأن الزمن، بعد كل تلك السنوات، يعيد فتح الحكاية من فصلٍ مختلف؛ فصلٍ لا تُمحى فيه الذاكرة، ولا تُحسم فيه مكانة الإنسان بقرار خصومه وحدهم.
لكنّ أكثر ما يستحق التوقّف عنده ليس مجرّد عودته، بل استمرار محبّة جمهوره له. فالأصوات قد تغيب، والمسارح قد تُغلق أبوابها، والصور قد تتعرّض للتشويه، لكن العلاقة التي تتكوّن بين فنان وجمهوره لا تُختصر بسنوات الغياب، ولا تنتهي بالضرورة حين تتغيّر الظروف.
ولعلّ في هذا المشهد رسالة تتجاوز فضل شاكر نفسه: ليس كل غياب نهاية، وليس كل من يُدفع إلى الهامش يُمحى من الذاكرة، وليس كل ما يبدو انتصاراً في لحظة يبقى كذلك إلى الأبد.
سقط بشار الأسد، وعاد فضل شاكر إلى الضوء. وبين الحدثين مسافةٌ من السنوات والوجع والانتظار، لكنّ رمزيتهما تلتقي عند حقيقة واحدة: لا سلطة تدوم إلى الأبد، ولا غياب يضمن محو الأثر، ولا نهاية يملك أحدٌ أن يفرضها على التاريخ.
من الرياض، يعود الصوت؛ ومن سوريا، تُطوى صفحةٌ من الاستبداد. أمّا ما سيكتبه المستقبل، فلن تحسمه ضجيجات الأمس، بل ما يتركه الحاضر من حقائقٍ في ذاكرة الشعوب
