"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

واشنطن ترسل «الذعر» إلى الكرملين

نيوزاليست
الجمعة، 28 أغسطس 2026

واشنطن ترسل «الذعر» إلى الكرملين

راتكليف يحمل إلى موسكو تقييماً قاتماً للحرب: الجيش الروسي ينزف، والتقدم متوقف، ونافذة التسوية قد تكون أضيق مما تبدو

لم تكن الزيارة السرية التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) جون راتكليف إلى موسكو مجرد قناة اتصال استخبارية عابرة. فالمعلومات التي بدأت تتكشف تباعاً في الإعلام الأميركي تشير إلى أن واشنطن أرادت أن تضع الكرملين أمام صورة مختلفة تماماً عن تلك التي قد ينقلها مستشارو الرئيس فلاديمير بوتين إليه عن مسار الحرب في أوكرانيا.

وبحسب ما أوردته «نيويورك تايمز»، حمل راتكليف خلال لقائه رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) ألكسندر بورتنيكوف تقييماً أميركياً «قاتماً» جداً لوضع روسيا العسكري والاقتصادي، ودفع باتجاه التوصل إلى اتفاق دبلوماسي لإنهاء الحرب قبل أن تتدهور الظروف أكثر.

والأهم أن الرسالة لم تكن تهديداً مباشراً لموسكو، بل عرضاً استخبارياً للواقع كما تراه واشنطن: استمرار الحرب لا يعني بالضرورة تحقيق روسيا أهدافها، بل قد يفاقم الكلفة التي تدفعها ويضعها أمام وضع عسكري واقتصادي أكثر صعوبة.

رسالة مباشرة إلى رجل المخابرات في الكرملين

اختارت واشنطن هذه المرة قناة مختلفة. فراتكليف لم يأتِ عبر المسار الدبلوماسي التقليدي، بل التقى أحد أقوى رجال المؤسسة الأمنية الروسية، في محاولة لإيصال التقييم الأميركي إلى الدائرة الأقرب إلى بوتين.

وتقول «نيويورك تايمز» إن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية لطالما تساءلوا عما إذا كان مستشارو بوتين ينقلون إليه الصورة الحقيقية للحرب وحجم الخسائر الروسية. لذلك كان الرهان على أن يتعامل بوتين، باعتباره ضابط استخبارات سابقاً، مع تقييم صادر مباشرة عن مدير الـCIA بجدية أكبر من رسالة تصل عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة.

وتعمل هذه القناة الاستخبارية بالتوازي مع الاتصالات السياسية التي يجريها مبعوث الرئيس دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، مع مسؤولين روس كبار.

لكن اللافت أن راتكليف لم يدخل موسكو حاملاً تفويضاً لتقديم تنازلات عن أوكرانيا. ووفق المعلومات التي أوردتها «نيويورك تايمز»، تحدث قبل زيارته مع مسؤولين أوكرانيين وأبلغهم بأنه ذاهب للاستماع إلى الموقف الروسي، وليس للتفاوض نيابة عنهم أو تقديم تنازلات بشأن مصالحهم.

الأرقام التي أرادت واشنطن أن يسمعها بوتين

جوهر الرسالة الأميركية يبدو مرتبطاً بالأرقام التي سبق لراتكليف أن أعلنها علناً.

ففي تصريحات سابقة، قال مدير الـCIA إن متوسط المدة التي يبقى فيها الجندي الروسي على خط المواجهة قبل أن يُقتل أو يُصاب قد لا يتجاوز 20 إلى 35 دقيقة، كما أشار إلى أن روسيا لم تتمكن خلال الأشهر الثمانية عشر التي سبقت تصريحاته من السيطرة إلا على نحو 1% من الأراضي الأوكرانية.

وفي تقييمه، لم يعد التقدم الروسي على الجبهة بالوتيرة التي تسمح لموسكو بتحويل التفوق العددي والناري إلى حسم عسكري. بل إن القدرة الأوكرانية على استخدام المسيّرات والتكنولوجيا الحديثة ساهمت في إبطاء الهجوم الروسي بصورة كبيرة.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الرسالة التي حملها راتكليف: الوقت، وفق الرؤية الأميركية، لا يعمل بالضرورة لمصلحة روسيا.

فالجيش الروسي يواصل دفع أثمان بشرية ومادية ضخمة، فيما لا يترجم ذلك إلى مكاسب إقليمية تتناسب مع حجم القوة المستخدمة.

التحذير الثاني: لا تختبروا الناتو

لكن رواية الزيارة لا تتوقف عند أوكرانيا.

فصحيفة «وول ستريت جورنال» أفادت بأن أحد الأهداف الرئيسية للزيارة كان تحذير موسكو من اختبار التزام الولايات المتحدة وحلفائها بالدفاع عن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، في ظل مخاوف أميركية من أن تقدم روسيا على خطوات تصعيدية أو عمليات استفزازية لاختبار رد الفعل الغربي.

وأكدت تقارير أخرى أن المخاوف الأميركية شملت احتمال تصعيد روسي ضد دول البلطيق، في وقت أظهرت فيه معلومات استخبارية أميركية أن الكرملين ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها أضعف بسبب انخراطها في حرب إيران، الأمر الذي قد يغري موسكو بالمزيد من التصعيد ضد المصالح الأميركية أو حلفائها الأوروبيين.

وفي المقابل، لا يوجد تأكيد رسمي بأن راتكليف وجّه تهديداً مباشراً إلى روسيا. بل إن الرئيس ترامب قلّل علناً من أهمية الزيارة ووصفها بأنها «شبه روتينية»، فيما أكدت موسكو أن راتكليف التقى مسؤولين استخباريين روساً ولم يلتقِ بوتين شخصياً.

وهذا التناقض بين اللغة العلنية المهدئة وطبيعة الرسالة التي تكشفها التسريبات الأميركية هو ما يمنح الزيارة أهميتها.

واشنطن تريد أن يعرف الكرملين ما لا يقوله له المحيطون ببوتين

الأكثر دلالة في هذه القصة أن راتكليف لم يذهب إلى موسكو ليقول للروس إنهم خاسرون وحسب، بل ليقدم لهم تفسيراً استخبارياً لماذا قد يكون استمرار الحرب أكثر خطورة على روسيا مما يبدو من داخل الكرملين.

فالرسالة الأميركية، كما تظهر من مجمل التقارير، تقوم على معادلة واضحة: روسيا تدفع ثمناً بشرياً وعسكرياً واقتصادياً متزايداً، بينما تبقى مكاسبها الميدانية محدودة؛ وأوكرانيا، رغم تراجع مستوى المساعدات العسكرية الأميركية، تمكنت من استخدام المسيّرات والتكنولوجيا لتعطيل التقدم الروسي.

ومن هنا جاء الضغط باتجاه التسوية.

وبحسب «نيويورك تايمز»، فإن القناة التي فتحها راتكليف مع بورتنيكوف ليست جديدة بالكامل؛ إذ سبق أن جرى التواصل بين الرجلين في ملفات حساسة، بينها تبادل الأسرى، لكن لقاء موسكو كان أول اجتماع مباشر بينهما.

أما الكرملين فأكد أن بوتين أُبلغ بنتائج محادثات راتكليف، حتى وإن لم يشارك فيها مباشرة.

وهكذا تبدو الزيارة، في ضوء المعطيات المتوافرة، أقرب إلى عملية إنذار استخبارية عالية المستوى منها إلى مهمة تفاوضية تقليدية: واشنطن تريد أن تصل رسالتها إلى بوتين من أقرب باب ممكن إلى عالمه، أي باب الاستخبارات.

وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن نافذة للتوصل إلى اتفاق سلام خلال الأشهر المقبلة يعكس اعتقاداً متزايداً لدى بعض الدبلوماسيين الأوروبيين بأن استمرار الاستنزاف قد يجعل التسوية أكثر إلحاحاً على موسكو وكييف معاً.

الرسالة التي وصلت إلى الكرملين، إذا صحت هذه التقارير، ليست أن واشنطن تريد إخافة روسيا من الحرب فحسب؛ بل أن واشنطن تريد إقناع بوتين بأن الخطر الحقيقي قد يكون في الاعتقاد بأن لديه وقتاً أطول مما لديه فعلاً.

المقال السابق
طارق متري نموذجًا: سلطة لبنانية مذعورة من قراراتها
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

إسرائيل تبلغ واشنطن: النموذج التجريبي في جنوب لبنان فشل… والجيش اللبناني لا يواجه حزب الله

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية