أوقفت الشرطة الفرنسية، فجر الثلاثاء، رجلاً يبلغ 34 عاماً يُشتبه في أنه المنفّذ الرئيسي للحريق المتعمّد الذي دمّر مبنى بلدية ليموج، السبت الماضي، خلال تحرّك احتجاجي شهدته المدينة، في قضية أعادت تسليط الضوء على نشاط مجموعات اليسار المتطرف وشبكاتها في وسط فرنسا.
والمشتبه به، الذي يُشار إليه بالأحرف الأولى من اسمه Hodeî C.D.، وُلد في باريس وينحدر من مقاطعة كروز، وأوقفته وحدة الـ«RAID» التابعة للشرطة الوطنية الفرنسية في منزل والديه ببلدة فال ديسوار، الواقعة في مقاطعة فيين العليا، على بُعد نحو 50 كيلومتراً من ليموج.
وكان نحو خمسة آلاف شخص قد شاركوا في تحرّك احتجاجي في محيط مبنى البلدية في 17 تشرين الأول الجاري. ويُشتبه في أن الموقوف، بالاشتراك مع آخرين، حطّم نوافذ المبنى المصنّف ضمن المعالم التاريخية، قبل التسلل إليه وإشعال النار انطلاقاً من القبو.
وسرعان ما امتدت النيران إلى العلّية، مدمّرة السقف، في حين انهار برج الجرس الذي يبلغ ارتفاعه 43 متراً، في مشهد جسّد حجم الأضرار التي لحقت بالمبنى التاريخي.
وقال رئيس بلدية ليموج، غيوم غيران، المنتمي إلى حزب «الجمهوريون» اليميني، إن المشتبه به «هو على الأرجح العقل المدبّر لهذه العملية»، وفق ما نقلته صحيفة «لو بوبولير دو سنتر».
مشتبه به مدرج على قائمة أمنية
وبحسب المعلومات الواردة في الصحافة الفرنسية، كان المشتبه به تحت مراقبة الأجهزة الأمنية، إذ إنه مدرج على بطاقة «S» الأمنية، المستخدمة لمتابعة أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بتهديدات محتملة للأمن العام، على خلفية انتمائه المفترض إلى مجموعات عنيفة من اليسار المتطرف.
كما أنه معروف لدى القضاء الفرنسي، بعدما واجه اتهامات تتعلق بتخريب ممتلكات بصورة جماعية باستخدام وسيلة خطرة على الأشخاص، وبتهديد شخص يتولى مسؤولية عامة بارتكاب جريمة أو جنحة.
وسبق أن أُدين في ليموج بعدما صفع شرطياً خلال تظاهرة بيئية في مدينة غيريه، احتجاجاً على مشروع شركة «بيوسيل» لإنشاء مصنع لإنتاج حبيبات الخشب المستخدمة في التدفئة.
وذكرت صحيفة «لو باريزيان» أن المشتبه به شارك أيضاً في تحركات عدة نظّمها تجمع «انتفاضات الأرض» (Les Soulèvements de la Terre)، المعروف بنشاطه البيئي الراديكالي.
ووُضع الموقوف قيد الحراسة النظرية عقب توقيفه، للاشتباه في ارتكابه جريمة تخريب ممتلكات باستخدام وسيلة خطرة، ضمن إطار جماعة منظّمة. ويتولى التحقيق محققون من الإدارة الفرعية لمكافحة الإرهاب، بالتعاون مع قسم مكافحة الجريمة المنظّمة والمتخصصة في ليموج، بناءً على تكليف مشترك من النيابة العامة.
تحقيقات في شبكات اليسار المتطرف
ومن المتوقع أن تشمل التحقيقات الروابط المفترضة للمشتبه به بشبكات اليسار المتطرف في هضبة ميلفاش، الواقعة عند الأطراف الغربية لجبال ماسيف سانترال، وهي منطقة شهدت في السنوات الأخيرة جدلاً سياسياً وأمنياً بشأن نشاط مجموعات راديكالية.
وفي هذا السياق، دعا دافيد ليسنار، رئيس بلدية كان ومرشح حزب «طاقة جديدة» للانتخابات الرئاسية، إلى تفكيك المجموعات العنيفة، متحدثاً، في تصريح لإذاعة «آر تي إل» صباح الثلاثاء، عن مسؤولية ما وصفها بـ«معسكرات التدريب الإرهابية» في هضبة ميلفاش عن إحراق مبنى بلدية ليموج.
وتأتي هذه التصريحات في أعقاب تحذيرات أطلقها النائب عن مقاطعة كروز، بارتولومي لونوار، المنتمي إلى حزب «الاتحاد من أجل الجمهورية»، بشأن ما يعتبره تهديداً متصاعداً من اليسار المتطرف في جنوب المقاطعة.
ومنذ خريف عام 2024، يحذّر لونوار من احتمال إقامة منطقة للاحتجاج والاعتصام المناهض للمشاريع التنموية، المعروفة اختصاراً بـ«ZAD»، في محيط بحيرة شاميه، أو داخل مركز سياحي مهجور.
وفي 12 تشرين الثاني 2024، أثار القضية أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، محذّراً وزير الداخلية آنذاك برونو ريتايو من احتمال تحوّل كروز إلى منطقة جديدة لنشاط هذه المجموعات.
لكن مواقف النائب أثارت جدلاً، إذ اعترض عليها عدد من المسؤولين المحليين، معتبرين أنها تضخّم المخاطر في غياب مخالفات مثبتة.
والد المشتبه به أُدين في قضايا إحراق
ولا تقتصر التحقيقات على المشتبه به وحده، إذ يُنتظر أن تشمل محيطه العائلي والروابط المحتملة لأفراد أسرته بالمجموعات الراديكالية.
ووفق المعلومات المنشورة في الصحافة الفرنسية، فإن والده، فرناندو سيارا راميريز، البالغ 70 عاماً، أُدين في نيسان الماضي بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، على خلفية إحراق ثماني سيارات تابعة لشركة «إينيديس» في ليموج في شباط 2020، وإحراق جهاز إرسال تابع لشركة «تي دي إف» وهوائي اتصالات في بلدة لي كار، بمقاطعة فيين العليا، بعد نحو عام.
وعقب صدور الحكم، قال الوالد، في تصريح لقناة «فرانس 3» في منطقة آكيتين الجديدة، إنه راضٍ عن الحكم، مضيفاً: «أدعو جميع الناس إلى المقاومة المدنية والعصيان المدني».
وتسعى التحقيقات الجارية إلى تحديد المسؤوليات الفردية في إحراق مبنى البلدية، وكشف طبيعة العلاقات بين المشتبه بهم المحتملين، ومدى وجود ارتباط فعلي بين العملية وشبكات اليسار المتطرف، في انتظار ما ستكشفه نتائج ا لتحقيق والإجراءات القضائية.
