الحكومة الفرنسية تتحرك لملاحقة البائعين وحذف الإعلانات المشبوهة بعد نهب متاجر فاخرة خلال اضطرابات 17 أكتوبر
لم تنتهِ تداعيات أعمال النهب التي رافقت الاضطرابات العنيفة في فرنسا عند واجهات المتاجر المحطّمة والرفوف الفارغة. فبعد أيام من مشاهد السرقة والتخريب في باريس ومدن فرنسية أخرى، بدأت سلع يُشتبه في أنها نُهبت خلال الاضطرابات تظهر على منصات بيع السلع المستعملة، وسط مخاوف من تحوّل المسروقات إلى تجارة موازية تستفيد من الفوضى.
وأفادت تقارير صحافية أميركية وفرنسية بأن حقائب يد فاخرة وعطوراً ومستحضرات تجميل وأزياء ومنتجات أخرى ظهرت في إعلانات على منصات إلكترونية، بينها «Vinted» و«eBay»، بأسعار أثارت الشكوك بشأن مصدرها، ولا سيما عندما عُرضت بعض السلع بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها الأصلية. لكن لم يُثبت أن جميع القطع التي أثارت الشبهات مسروقة بالفعل.
حقائب فاخرة تحت الشبهة
بحسب صحيفة «نيويورك بوست»، أثارت إعلانات لحقائب تحمل علامات تجارية مثل «لويس فويتون» و«سيلين» و«هيرميس» الشكوك في احتمال أن يكون بعض البائعين يسعون إلى تصريف بضائع نُهبت من المتاجر خلال أعمال الشغب.
وتأتي هذه الإعلانات في أعقاب استهداف متاجر فاخرة في العاصمة الفرنسية، ما دفع إلى التساؤل عن مدى قدرة منصات البيع الإلكتروني على التحقق من مصدر السلع المعروضة، خصوصاً عندما تظهر بعد وقت قصير من عمليات نهب واسعة.
ولا تقتصر المخاوف على السلع الفاخرة، إذ أشارت تقارير إلى عرض عطور ومستحضرات تجميل ومنتجات أخرى بأسعار منخفضة، فضلاً عن بضائع متنوعة يُشتبه في أنها خرجت من المتاجر خلال الاضطرابات.
تحرك حكومي لملاحقة البائعين
أثارت هذه التطورات رد فعل من الحكومة الفرنسية. وطالبت الوزيرة الفرنسية المكلفة بالشؤون الرقمية، آن لو حناف، منصات التجارة الإلكترونية بالتحرك لإزالة إعلانات السلع المسروقة والتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون لتحديد هوية البائعين المشتبه في تورطهم وملاحقتهم.
وعقدت السلطات اجتماعات مع ممثلين عن منصات وشركات تجارة إلكترونية، في إطار مساعٍ للحد من تصريف المسروقات عبر الإنترنت ومنع تحويل عمليات النهب إلى مصدر ربح إضافي للمشاركين فيها.
من جهتها، أعلنت «Vinted» تعزيز مراقبتها للإعلانات واتخاذ إجراءات بحق الحسابات التي يُشتبه في استخدامها لبيع بضائع مسروقة، مؤكدة تعاونها مع السلطات. ويضع هذا الملف منصات إعادة البيع أمام اختبار يتعلق بقدرتها على حماية المشترين ومنع استغلال خدماتها لتصريف الممتلكات المنهوبة.
شارع مونتين في قلب النهب
وكانت متاجر السلع الفاخرة في شارع مونتين، بالقرب من جادة الشانزليزيه في باريس، من أبرز الأهداف خلال اضطرابات السبت 17 أكتوبر.
ووفقاً لتغطية صحيفة «لوموند»، تعرّض متجر «سيلين» للنهب بالكامل، فيما تضررت واجهات متاجر «لويس فويتون» و«جيل ساندر». ولم تقتصر الاعتداءات على العلامات الفاخرة، بل شملت متاجر ملابس وهواتف وإلكترونيات وصيدليات ومحالاً تجارية صغيرة في مناطق مختلفة من العاصمة ومدن فرنسية أخرى.
وأظهرت تقارير ميدانية مجموعات من الملثمين وهي تحطم الواجهات وتقتحم المتاجر وتحمل البضائع، في مشاهد خلّفت خسائر كبيرة لدى أصحاب الأعمال. كما واجه عدد من التجار صعوبات في حماية محالهم خلال ساعات الاضطرابات، وسط انتقادات لمدى قدرة قوات الأمن على احتواء عمليات النهب المتزامنة.
أكثر من 2400 موقوف وآلاف المنشآت المتضررة
جاءت عمليات النهب في سياق اضطرابات اجتاحت فرنسا منذ 17 أكتوبر، على هامش احتجاجات على غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العامة وأوضاع التعليم، قبل أن تتطور إلى مواجهات وأعمال تخريب ونهب في عدد من المدن.
وأفادت تقارير صحافية باعتقال أكثر من 2400 شخص، فيما تضررت نحو 3000 منشأة تجارية في أنحاء البلاد. وأثارت الأحداث انتقادات واسعة بشأن الاستعدادات الأمنية، فيما تعهد الرئيس إيمانويل ماكرون بمحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف والتخريب.
ومع بدء مرحلة إعادة تقييم الخسائر، تواجه السلطات تحدياً إضافياً يتمثل في تعقب البضائع المنهوبة ومنع بيعها، سواء في الأسواق التقليدية أو عبر المنصات الرقمية.
فإذا كانت أعمال النهب قد استهدفت المتاجر وأصحابها مباشرة، فإن تصريف المسروقات عبر الإنترنت يوسّع دائرة الأضرار، ويخلق سوقاً يستفيد منها اللصوص، فيما قد يجد المشترون أنفسهم أمام سلع مجهولة المصدر أو متورطين، من دون علمهم، في تداول ممتلكات مسروقة.
وبذلك، لم تعد المواجهة الفرنسية مقتصرة على استعادة النظام في الشوارع، بل امتدت إلى ملاحقة المسروقات وتجفيف منافذ بيعها، في اختبار جديد لقدرة السلطات على فرض القانون بعد موجة العنف التي هزّت البلاد.
