تحوّل تناول جرعات من زيت الزيتون على معدة فارغة أو قبل الوجبات إلى ممارسة رائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط حديث متزايد عن فوائدها الصحية، ولا سيما قدرتها المحتملة على تنظيم مستويات السكر في الدم. وبينما يروّج البعض لهذه العادة باعتبارها وسيلة بسيطة لتحسين الصحة، كشفت دراسة علمية حديثة عن نتائج واعدة، لكنها لا تزال بحاجة إلى التأكد من فعاليتها لدى البشر.
وأظهرت دراسة أجريت على الفئران أن تناول زيت الزيتون قبل الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات قد يساعد على إبطاء ارتفاع مستويات السكر في الدم، من خلال التأثير في سرعة إفراغ المعدة وتحفيز إفراز هرمونات تشارك في تنظيم الغلوكوز.
ونُشرت نتائج الدراسة عبر الجمعية الأميركية للسكري، وأعادت تسليط الضوء على العلاقة بين توقيت تناول الدهون وترتيب الأطعمة خلال الوجبات، وتأثير ذلك في استجابة الجسم لسكر الدم.
ماذا يحدث للجسم عند تناول زيت الزيتون قبل الكربوهيدرات؟ ركز الباحثون على معرفة ما إذا كان تناول زيت الزيتون قبل استهلاك الغلوكوز يمكن أن يغيّر طريقة تعامل الجسم مع السكر.
وخلال التجربة، أعطى الباحثون مجموعة من الفئران زيت الزيتون قبل شرب محلول الغلوكوز، ثم راقبوا التغيرات التي طرأت على عملية ال هضم والاستجابة الهرمونية.
وأظهرت النتائج أن الفئران التي تناولت زيت الزيتون شهدت تباطؤاً في إفراغ المعدة، أي أن انتقال محتوياتها إلى الأمعاء استغرق وقتاً أطول، وهو ما قد يساهم في إبطاء وصول الغلوكوز إلى مجرى الدم والحد من الارتفاع السريع لمستوياته.
ولاحظ الباحثون أيضاً زيادة في إفراز عدد من الهرمونات المرتبطة بتنظيم سكر الدم، من بينها الغلوكاغون، والببتيد المحفز للأنسولين المعتمد على الغلوكوز (GIP)، والببتيد الشبيه بالغلوكاغون-1 (GLP-1).
ويُعد الهرمون الأخير مهماً بشكل خاص، إذ يساعد على تحفيز إفراز الأنسولين عند ارتفاع مستوى السكر في الدم، كما يساهم في إبطاء إفراغ المعدة وتنظيم الشهية.
وتشير هذه النتائج إلى أن تأثير زيت الزيتون قد لا يقتصر على تركيبته الغذائية، بل يمكن أن يرتبط أيضاً بتفاعلات هضمية وهرمونية تؤثر في استجابة الجسم للغلوكوز.
لماذا قد يساعد تناول الدهون قبل الكربوهيدرات؟
تنسجم نتائج الدراسة مع أبحاث سابقة أشارت إلى أن تناول الدهون قبل الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات قد يخفف من الارتفاع السريع لسكر الدم بعد الوجبات.
ويعود ذلك جزئياً إلى أ ن الدهون تحتاج إلى وقت أطول للهضم مقارنة بالكربوهيدرات، كما يمكن أن تؤثر في سرعة انتقال الطعام من المعدة إلى الأمعاء، وبالتالي في وتيرة امتصاص الغلوكوز.
وفي هذا السياق، أوضحت خبيرة التغذية ليزا فالينتي، في حديث لمجلة «نيوزويك»، أن الجمع بين الدهون والكربوهيدرات قد يساعد على تحسين استجابة الجسم لسكر الدم، لأن الدهون لا تؤثر في مستوياته بالطريقة نفسها التي تؤثر بها الكربوهيدرات.
لكن ذلك لا يعني أن تناول الدهون وحده يمنع ارتفاع السكر، أو أن إضافة زيت الزيتون إلى كل وجبة تمثل علاجاً لمشكلات تنظيم الغلوكوز.
هل من الضروري تناول ملعقة زيت زيتون قبل كل وجبة؟
رغم الاهتمام الذي أثارته نتائج الدراسة، لا ترى خبيرة التغذية ليزا فالينتي ضرورة لتناول جرعة منفصلة من زيت الزيتون قبل الطعام للاستفادة من خصائصه الصحية.
وتفضّل فالينتي إدخاله ضمن النظام الغذائي اليومي، سواء من خلال استخدامه في الطهي أو إضافته إلى السلطات والخضراوات والأطعمة المختلفة.
وتكمن أهمية هذه النصيحة في أن زيت الزيتون، على الرغم من احتوائه على دهون مفيدة، يظل مرتفعاً نسبياً بالسعرات الحرارية.
فملعقة الطعام الواحدة منه توفر نحو 120 سعرة حرارية، ما يعني أن تناول ملعقة قبل كل وجبة رئيسية قد يضيف قرابة 360 سعرة حرارية يومياً إلى النظام الغذائي، من دون احتساب السعرات الموجودة في بقية الأطعمة.
لذلك، فإن استخدامه باعتدال ضمن الوجبات قد يكون خياراً أفضل من تناوله بكميات إضافية ومنفصلة، خصوصاً لمن يسعون إلى ضبط وزنهم أو تقليل استهلاك السعرات الحرارية.
فوائد زيت الزيتون تتجاوز تنظيم سكر الدم
لا ترتبط أهمية زيت الزيتون بالنتائج الجديدة وحدها، فهو يُعد من المكونات الأساسية للنظام الغذائي المتوسطي، الذي يرتبط بفوائد صحية متعددة، خصوصاً لصحة القلب والأوعية الدموية.
ويتميز زيت الزيتون باحتوائه على الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة، ولا سيما حمض الأولييك، الذي يساعد على تحسين مستويات الدهون في الدم عند استخدامه بدلاً من الدهون المشبعة.
كما يحتوي زيت الزيتون البكر الممتاز على مركبات نباتية مضادة للأكسدة، أبرزها البوليفينولات، التي تمتلك خصائص مضادة للالتهابات، وقد تسهم في حماية الخلايا من الأضرار التأكسدية.
وتشير أبحاث غذائية إلى أن اعتماد زيت الزيتون ضمن نظام غذائي متوازن قد يساعد على تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، خصوصاً عند اس تبدال الدهون الأقل فائدة به.
وتشمل فوائده المحتملة أيضاً دعم صحة الأوعية الدموية وتحسين بعض مؤشرات الالتهاب، لكن لا ينبغي اعتبار هذه الخصائص دليلاً على أنه يمنع الإصابة بالسرطان أو يعالج الأمراض المزمنة بمفرده.
هل يمكن اعتماد هذه الطريقة لمرضى السكري؟
رغم النتائج المشجعة، فإن هناك نقطة أساسية ينبغي الانتباه إليها: الدراسة أُجريت على الفئران، وليس على البشر، وبالتالي لا يمكن الجزم بأن تناول زيت الزيتون قبل الوجبات سيؤدي إلى التأثيرات نفسها لدى الإنسان.
ولا تزال هناك حاجة إلى تجارب سريرية بشرية لتحديد الكمية المناسبة، والتوقيت الأفضل لتناوله، ومدى تأثيره الفعلي في مستويات السكر بعد الوجبات، خصوصاً لدى الأشخاص المصابين بالسكري أو مقاومة الأنسولين.
كما أن إبطاء ارتفاع السكر بعد الوجبات لا يعني بالضرورة تحسناً طويل الأمد في السيطرة على المرض، إذ تتأثر مستويات الغلوكوز بعوامل متعددة، تشمل نوعية الطعام وكميته والنشاط البدني والوزن والأدوية المستخدمة.
ومن هنا، لا ينبغي لمرضى السكري استبدال أدويتهم أو تغيير خططهم العلاجية بناءً على هذه النتائج الأولية، بل يمكنهم إدخال زيت الزيتون ضمن نظام غذائي متوازن بعد مر اعاة احتياجاتهم الصحية.
الخلاصة: الفائدة في النظام الغذائي لا في الجرعة السحرية تفتح الدراسة الجديدة باباً إضافياً لفهم العلاقة بين الدهون الصحية وتنظيم مستويات السكر في الدم، وتقدم مؤشرات علمية على أن تناول زيت الزيتون قبل الكربوهيدرات قد يؤثر في سرعة الهضم والاستجابة الهرمونية للغلوكوز.
لكن تحويل هذه النتائج إلى نصيحة صحية عامة لا يزال سابقاً لأوانه، في انتظار دراسات بشرية تؤكد فعاليتها وسلامة تطبيقها.
وفي الوقت الحالي، تبقى الاستفادة من زيت الزيتون عبر إدخاله باعتدال في الوجبات، إلى جانب تناول الخضراوات والألياف والحبوب الكاملة، وممارسة النشاط البدني، خياراً غذائياً أكثر استناداً إلى الأدلة من التعامل معه باعتباره جرعة سحرية لضبط سكر الدم.
