لم تكن السيطرة الإسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر عملية عسكرية خاطفة، بل معركة استمرت أسابيع، وتمحورت بصورة أساسية حول شبكة من الأنفاق، وسط محاولة إسرائيلية لتجنب إدخال قواتها إلى قتال مباشر داخلها، واستخدام وسائل أخرى للوصول إلى العناصر الموجودين فيها وإخراجهم من المعركة.
بدأت العملية في مرتفعات علي الطاهر ليلة 14 يونيو (حزيران)، بالتزامن تقريباً مع السيطرة على منطقة بوفورت. ومنذ ذلك الوقت، تحولت المنطقة إلى واحدة من النقاط التي استقطبت جهداً عسكرياً إسرائيلياً كبيراً، بسبب طبيعتها الجغرافية وشبكة الأنفاق الموجودة فيها.
ليلة تحولت إلى نقطة فاصلة
في ليلة 18-19 يونيو (حزيران)، تعرضت دبابة قائد الكتيبة المدرعة 52، المقدم دور جدليا بن سيمون، لقصف بصاروخ مضاد للدبابات، إضافة إلى نيران طائرات مسيّرة، خلال عملية عسكرية واسعة أمام بلدة طيبة.
وأدى الهجوم إلى مقتل قائد الكتيبة وثلاثة جنود آخرين: الرقيب يواف كلاين، والرقيب لياف كبايا، والرقيب نيف حبشوش.
كانت هذه الخسائر من أبرز الكلف التي تكبدتها القوات الإسرائيلية خلال العملية، التي لم تنتهِ في تلك الليلة، بل استمرت بعدها لأسابيع.
المعركة داخل الأنفاق
بحسب المعطيات التي قدمها الجيش الإسرائيلي، كان نحو 30 عنصراً من حزب الله داخل الأنفاق عند بدء القتال. وبعد دخول القوات الإسرائيلية إلى المنطقة، عُثر على 15 جثة داخل الأنفاق، بينما يقدّر الجيش أن بقية العناصر تمكنوا من الفرار، وأن بعضهم أصيب أثناء محاولته الخروج منها.
لكن التعامل مع هذه الأنفاق لم يكن عملية اقتحام تقليدية. فقد بقيت القوات الإسرائيلية متمركزة في المنطقة لأسابيع، فيما استخدمت وحدات الهندسة القتالية أنظمة آلية لمسح الأنفاق من الداخل، ونفذت في بعض الحالات عمليات لإخضاع العناصر الموجودين فيها.
وفي محيط شبكة الأنفاق، انتشرت قوات لواء الكوماندوز ومقاتلون مدرعون تابعون للواء السابع، في عملية هدفت إلى إحكام السيطرة على المنطقة ومنع الخروج منها قبل استكمال عمليات التطهير.
وقال مصدر عسكري إسرائيلي إن قائد لواء الكوماندوز، العقيد م، أبقى المنطقة مغلقة لأكثر من 14 يوم سبت، ورفض مغادرتها قبل انتهاء العملية والسيطرة الكاملة على التلال.
لماذا استغرقت العملية أسابيع؟
السبب الأساسي، وفق الرواية العسكرية الإسرائيلية، كان طبيعة القتال داخل الأنفاق. فالجيش اختار عدم المخاطرة بدفع أعداد كبيرة من الجنود إلى القتال في بيئة مغلقة وتحت الأرض، واعتمد بدلاً من ذلك على وسائل إطلاق النار عن بُعد وعلى وحدات الهندسة والأنظمة الآلية.
هذا الأسلوب جعل العملية أبطأ، لكنه سمح للقوات الإسرائيلية بالبقاء في المنطقة ومحاصرة شبكة الأنفاق والتعامل معها بصورة تدريجية، إلى أن أمكن الإعلان عن استكمال السيطرة عليها.
وبالنسبة إلى لبنان، تكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأن علي الطاهر تقع ضمن المنطقة الجنوبية التي تشكل مسرحاً أساسياً للمواجهة، ولأن السيطرة على المرتفعات والأنفاق لا تتصل فقط بنتيجة اشتباك عسكري محدد، بل بطريقة إدارة إسرائيل للمنطقة الحدودية ومحاولتها منع إعادة استخدام البنية التحتية العسكرية فيها.
هل كان هناك وجود إيراني؟
في واحدة من النقاط التي تكتسب أهمية سياسية تتجاوز المعركة الميدانية، قال مصدر عسكري إسرائيلي إنه لم يكن هناك جنود من الحرس الثوري الإيراني أو مستشارون إيرانيون داخل الأنفاق.
وتذهب الرواية الإسرائيلية إلى أن عناصر من حزب الله حاولوا جرّ إيران إلى المواجهة لمنع سقوط الأنفاق والتلال في أيدي الجيش الإسرائيلي.
وفي الساعات التي سبقت الإعلان عن انتهاء العملية، ناقشت القيادة الإسرائيلية إمكا نية إعلان احتلال الأنفاق وتطهيرها بصورة رسمية. ووفق التقدير الإسرائيلي، فإن إتمام العملية يمكن أن يضعف الدافع الإيراني إلى التدخل العسكري، وأن يساهم في إعادة فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني.
الكلفة والخسائر
تكشف معركة علي الطاهر، وفق المعطيات الإسرائيلية، عن عملية عسكرية طويلة ومعقدة، لم تكن السيطرة على سطح الأرض فيها كافية لإنهاء المهمة. فقد احتاج الجيش إلى أسابيع للتعامل مع شبكة الأنفاق، فيما بقيت قواته في المنطقة حتى استكمال عمليات التطهير والسيطرة على التلال.
أما الخسائر الإسرائيلية المعلنة في إحدى أبرز مراحل العملية، فبلغت أربعة قتلى، بينهم قائد الكتيبة المدرعة 52 وثلاثة جنود.
وفي المقابل، يقول الجيش الإسرائيلي إنه عثر على 15 جثة لعناصر من حزب الله داخل الأنفاق، فيما يقدّر أن نحو 15 آخرين تمكنوا من الفرار، مع إصابة بعضهم أثناء محاولتهم الخروج.
وهكذا، فإن قصة علي الطاهر لا تختصر في إعلان السيطرة على مجموعة من الأنفاق. إنها قصة معركة استمرت أسابيع، دفعت فيها إسرائيل ثمناً بشرياً، واستخدمت فيها أسلوباً يعتمد على الحصار والتقنيات الهندسية والنيران عن بُعد، فيما بقيت مسألة ما جرى داخل الأنفاق وحجم الخسائر الفعلية على الجانب الآخر مرتبطة أساساً بالرواية الإسرائيلية التي تستند إليها هذه المعطيات.
( بتصرف عن “معاريف”)
