"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

هل تلقيت رسالة لتحصيل رسوم الجمرك؟ هكذا يدفع المواطن ثمن تقصير الدولة

لارا صقر
الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

هل تلقيت رسالة لتحصيل رسوم الجمرك؟ هكذا يدفع المواطن ثمن تقصير الدولة

في الأسابيع الأخيرة، عاد إلى الواجهة في لبنان جدل قديم-جديد: رسائل نصية قصيرة تصل إلى آلاف المشتركين، تطالبهم بتسديد “رسوم جمركية” عن هواتفهم الخلوية، تحت طائلة قطع الخط عن الشبكة. المفارقة أن كثيرين من هؤلاء المواطنين اشتروا هواتفهم من محال تجارية لبنانية معروفة، ولم يخطر ببالهم يوماً أنهم قد يُطالَبون لاحقاً بدفع رسوم إضافية عليها.

ما الذي يحصل بالضبط؟

الرسالة التي تصل إلى المشترك، عادة باسم وزارة المالية، تحمل مضموناً شبه موحّد: تذكير بأن الرسوم الجمركية الخاصة بالجهاز غير محصّلة، مع مهلة محددة للتسوية، وإلا يتم تعليق عمل الجهاز على الشبكات الخلوية. الهيئة المنظّمة للاتصالات أوضحت في بيان لها أنها ليست الجهة التي تفرض هذه الرسوم أو تُحصّلها، وأن دورها يقتصر على تسهيل إجراءات تسوية أوضاع الأجهزة وإعادة تفعيلها عند الحاجة.

السبب التقني المعلن: هذه الأجهزة كانت تعمل فعلياً على الشبكات اللبنانية من دون أن يكون هناك رسم جمركي مسجَّل مرتبط برقم التعريف الدولي للجهاز (IMEI) الخاص بها. بمعنى آخر، من منظور الدولة، هذه الهواتف دخلت البلاد من دون أن تمر بالتخليص الجمركي الرسمي، بغض النظر عمّن باعها للمستهلك النهائي أو من أي محل اشتراها.

أرقام الأزمة

بحسب أرقام متداولة في هذا الملف، يقدَّر عدد الهواتف الموجودة حالياً في السوق اللبناني والتي دخلت عبر التهريب أو من دون تخليص جمركي كامل بنحو 215 ألف جهاز، فيما تُقدَّر القيمة الجمركية الإجمالية المطلوب تحصيلها عنها بملايين الدولارات. وهذا الرقم، إذا صحّ، يعني أن الدولة تنوي تحميل مئتين وخمسة عشر ألف مواطن ومواطنة فاتورة إجمالية بملايين الدولارات، رغم أن غالبيتهم لم يكن لديهم أي وسيلة لمعرفة أن هواتفهم “غير مجمركة” وقت الشراء.

وقد سبق لوزارة المال أن أكدت عام 2018 أن تهريب الهواتف الخلوية يكلّف الخزينة اللبنانية نحو 60 مليون دولار سنوياً — وهو رقم يعطي فكرة عن حجم المشكلة البنيوية التي تحاول الدولة اليوم معالجتها، ولو متأخرة وعلى حساب المواطن، وبأرقام تبدو حتى الآن جزءاً محدوداً فقط من حجم الخسارة الفعلية المقدَّرة للخزينة على مرّ السنين.

____ المفارقة التي تُشعل الغضب: الدفع مرتين


يشدّد كثير من المتابعين على نقطة جوهرية: لبنان يكاد يكون البلد الوحيد الذي يُطالَب فيه صاحب الهاتف المشترى من الخارج بدفع الرسوم الجمركية مرتين — مرة في بلد الشراء نفسه، ومرة ثانية في لبنان حتى لا يوضع خطه خارج الخدمة. أما بالنسبة لمن اشترى هاتفه من محل لبناني، فالمفارقة أكبر: المفترض أن يكون التاجر قد سدّد الرسوم عند استيراد البضاعة، فلماذا يُطلب من المستهلك النهائي أن يدفعها مجدداً؟

هنا تكمن جوهر الانتقادات: بدل أن تلاحق الدولة التجار والشركات - وبينها، بحسب ما تناقلته تقارير صحافية، مؤسسات معروفة الانتماءات الحزبية - التي أدخلت كميات كبيرة من الهواتف دون تخليص جمركي كامل أو باستخدام طرق للتحايل على النظام الإلكتروني لوزارة الاتصالات، يجد المواطن العادي نفسه من يتحمل فاتورة التقصير هذا، عبر تهديد مباشر بقطع خدمة هاتفه.

عندما يتحوّل “الخلل التقني” إلى ملف فساد داخل الجمارك

الأخطر أن التأخر في تحصيل هذه الرسوم لا يبدو، بحسب ما كشفته تحقيقات قضائية سابقة، مجرد “خطأ نظام” أو تقصير إداري بريء، بل مرتبطاً بملفات فساد فعلية داخل إدارة الجمارك نفسها. فقد كشف تحقيق قضائي أدارته السلطة القضائية في وقت سابق عن شبكة تتضمن موظفين في المركز الآلي التابع للمجلس الأعلى للجمارك، طالت التوقيف على أثرها مدير عام سابق للجمارك ومسؤولين رفيعين، بتهمة التلاعب بتصنيف البضائع الجمركية.

آلية التلاعب، بحسب ما تناقلته التقارير، كانت بسيطة وفعّالة: شحنات الهواتف الخلوية التي يُفترض أن تُصنَّف “حمراء” (أي وجوب خضوعها للتفتيش الكامل ودفع الرسوم كاملة)، كان بعض الموظفين المتنفذين يعيدون تصنيفها إلكترونياً إلى الخانة “الخضراء” المعفاة من التفتيش، مقابل رشى تُقبض لاحقاً. وبذلك كانت كميات كبيرة من الأجهزة تدخل السوق اللبناني “نظيفة” ظاهرياً لكنها في الواقع لم تخضع لأي تخليص جمركي حقيقي.

هذا يعني عملياً أن جزءاً كبيراً من الأجهزة الـ”مخالفة” التي يُطلب اليوم من المواطنين تسوية أوضاعها، قد لا تكون نتيجة تهريب فردي من قبل أفراد أو تجار صغار فحسب، بل نتاج تواطؤ ممنهج داخل جهاز الدولة نفسه الذي كان يفترض أن يضبط هذه العملية من الأساس.

المفارقة المُرّة هنا: المواطن الذي اشترى هاتفه بحسن نية من محل تجاري لبناني، هو من يُطلب منه اليوم دفع فاتورة هذا التواطؤ المؤسساتي، بينما تبقى حلقات الفساد الأعمق - من تجار مستفيدين إلى موظفين متورطين - في مرمى مساءلة أقل وضوحاً وأبطأ بكثير من سرعة قطع الخط عن هاتف المواطن العادي.

من يتحمّل المسؤولية؟

يرى مراقبون أن التأخر في تحصيل هذه الرسوم لسنوات لا يملك تفسيراً منطقياً سوى وجود تهريب أو إدخال غير قانوني لكميات كبيرة من الأجهزة، سواء عبر المطار أو المرفأ، من دون أن يعاقب أحد التجار أو الجهات التي استفادت من هذا التهرّب في حينه. النتيجة أن المواطن، الذي لا يملك أي وسيلة للتأكد من “شرعية” جهازه جمركياً وقت الشراء، يجد نفسه اليوم مطالَباً بتغطية فاتورة تقصير جهاز الجمارك ووزارة المالية على مدى سنوات.

القضية تختصر بمشهد متكرر في الأزمة اللبنانية: تواطؤ أو تقصير مؤسساتي في الرقابة والتحصيل في وقته - قد يصل حد الفساد الموثق داخل جهاز الجمارك نفسه - يتحوّل لاحقاً إلى عبء مالي إضافي يُفرض بأثر رجعي على المواطن العادي، بينما تبقى الجهات التي استفادت فعلياً من التهرّب الجمركي، سواء كانت شبكات تهريب أو موظفين متنفذين داخل الإدارة، بمنأى عن المساءلة بالسرعة والحزم نفسيهما اللذين تُعامَل بهما فاتورة هاتف المواطن البسيط.

المقال السابق
الصين تغيّر قواعد الشهرة: حين يصبح العلماء نجوم الشوارع

لارا صقر

محرّرة

مقالات ذات صلة

تكنولوجيا روسية متطوّرة في طريقها إلى إيران.. ما تفاصيل برنامج «C430L» السري؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية