لم يكد يجفّ حبر وثيقة التفاهم الأميركي – الإيراني التي نصّت، وفق ما أُعلن، على وقف شامل لإطلاق النار في لبنان، حتى عادت الجبهة اللبنانية إلى واجهة التصعيد، في مشهد يطرح أسئلة جدية حول قدرة التفاهم الجديد على ضبط حلفاء الطرفين أو فرض قواعد اشتباك جديدة على الأرض.
فمنذ توقيع الوثيقة، لم تتوقف المواجهات العسكرية ولو للحظة. وتبادل الطرفان الاتهامات بالمسؤولية عن خرق التفاهم، إذ تتهم إسرائيل «حزب الله» بمواصلة نشاطه العسكري ومحاولة إعادة بناء قدراته، فيما تتهم إيران إسرائيل بتعمد تقويض الاتفاق عبر مواصلة عملياتها العسكرية وتوسيع نطاقها.
وأدت الاشتباكات المستمرة إلى ارتفاع الكلفة الأمنية والعسكرية على ال جانبين اللبناني والإسرائيلي، فيما بدا أن إسرائيل خرجت سريعاً من إطار الانضباط الذي كان يُفترض أن يرافق مرحلة ما بعد التفاهم. فبعد أن كانت عملياتها تتركز في مناطق محددة من جنوب لبنان، عادت لتوسّع دائرة استهدافاتها نحو البقاع الشرقي، حيث شنّت سلسلة غارات على مواقع متعددة، في تطور يعكس انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة الضغط الميداني المتصاعد.
وتشير هذه التطورات إلى أن التفاهم الأميركي – الإيراني، رغم ما يحمله من بنود سياسية وأمنية واسعة، لم ينجح حتى الآن في إنتاج تهدئة فعلية على الساحة اللبنانية، التي تبدو اليوم واحدة من أولى ساحات اختبار الاتفاق. كما تكشف أن الخلاف حول تفسير بنود التفاهم وآليات تطبيقه لا يزال قائماً بين الأطراف المعنية، الأمر الذي يهدد بتحويل الاتفاق من مدخل للاستقرار إلى عنوان جديد للصراع السياسي والميداني.
وفي حال استمر التصعيد بالوتيرة نفسها، فإن الجبهة اللبنانية قد تتحول إلى أول مؤشر عملي على تعثر التفاهم الأميركي – الإيراني، وربما إلى الساحة التي يُحسم فيها مستقبل الاتفاق نفسه، بين من يريد تحويله إلى إطار دائم لإدارة الأزمات في المنطقة، ومن يسعى إلى استخدامه كمرحلة انتقالية لإعادة رسم موازين القوى بالقوة العسكرية.