لم تعش الهدنة التي أُعلن دخولها حيّز التنفيذ عصر الجمعة سوى ساعات قليلة قبل أن تتهاوى تحت وقع واحدة من أعنف جولات المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» منذ أسابيع، في مشهد عكس هشاشة الاتفاق الجديد وكشف حجم التباعد بين الوقائع الميدانية والمساعي السياسية الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار.
فقد أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل خمسة من جنوده خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بينهم المقدم دور جداليا بن سيمحون، قائد الكتيبة 52 في اللواء المدرع 401، وثلاثة من أفراد طاقم دبابته بعد استهدافها في منطقة كفرتبنيت قرب تلة علي الطاهر. كما قُتل الرقيب أول نير بن آري من وحدة «ماغلان» الخاصة وأصيب 13 جندياً آخرين، بعضهم بجروح خطرة، إثر هجوم صاروخي وهجمات بمسيّرات استهدفت موقعاً عسكرياً إسرائيلياً خلال الليل.
وأقرّ تحقيق عسكري إسرائيلي بأن الدبابة التي كان يستقلها قائد الكتيبة أصيبت إصابة مباشرة خلال الاشتباكات، نافياً الروايات التي تحدثت عن خلل تقني أو انفجار داخلي.
في المقابل، أعلن «حزب الله» أنه التزم بوقف إطلاق النار منذ لحظة دخوله حيز التنفيذ، لكنه أكد أنه تصدى لمحاولة إسرائيلية جديدة للتقدم نحو تلة علي الطاهر الاستراتيجية قرب النبطية. وقال الحزب إن مقاتليه نصبوا كميناً للقوات الإسرائيلية التي حاولت التقدم نحو المنطقة، مشدداً على أن الالتزام بالهدنة لا يعني السماح لإسرائيل بتوسيع سيطرتها الميدانية أو فرض وقائع جديدة داخل الأراضي اللبنانية.
أما الجيش الإسرائيلي فاتهم الحزب بخرق الاتفاق، مؤكداً أن نحو خمسين صاروخاً وقذيفة أطلقت ليلاً على قواته المنتشرة داخل المنطقة الأمنية التي أقامها في جنوب لبنان، مشيراً إلى أن سلاح الجو رد بسلسلة واسعة من الغارات استهدفت مواقع ومخازن أسلحة ومراكز قيادة تابعة للحزب.
وكشف السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر أن «حزب الله» نفذ، بحسب التقديرات الإسرائيلية، 176 هجوماً خلال أربع وعشرين ساعة، شملت صواريخ وطائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للدروع. في المقابل، أكد مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستواصل البقاء في جنوب لبنان «طالما كان ذلك ضرورياً لحماية حدودها الشمالية»، مشيراً إلى أن الجيش استهدف خلال اليومين الماضيين مئات الأهداف التابعة للحزب.
على الجانب اللبناني، أعلنت وزارة الصحة أن الغارات الإسرائيلية يوم الجمعة أسفرت عن سقوط 83 شهيداً و141 جريحاً، فيما ارتفعت الحصيلة الإجمالية للمواجهات منذ الثاني من آذار إلى أكثر من أربعة آلاف شهيد ونحو اثني عشر ألف جريح. وسجلت النبطية والقرى المحيطة بها النسبة الأكبر من الخسائر البشرية، ما يؤكد أن الجنوب اللبناني ما زال يدفع الثمن الأكبر للحرب رغم الإعلان المتكرر عن وقف إطلاق النار.
لكن التطور السياسي ا لأبرز جاء من واشنطن، حيث أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نشر مقال على منصة «تروث سوشال» بعنوان: «ترامب يمسك بالأوراق في فرص إعادة انتخاب نتنياهو المهتزة». ورغم أن الرئيس الأميركي لم يرفق المقال بأي تعليق، فإن إعادة نشره حملت دلالات سياسية لافتة، وبدت بمثابة تذكير مباشر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بأن مستقبله السياسي لا ينفصل عن الموقف الأميركي.
وتأتي هذه الرسالة في توقيت حساس، مع انطلاق المفاوضات الأميركية – الإيرانية في سويسرا وسعي واشنطن إلى تثبيت التهدئة على الجبهة اللبنانية. وبينما يصر نتنياهو على مواصلة الضغط العسكري وتحقيق مكاسب ميدانية، يبدو أن إدارة ترامب تحاول رسم حدود جديدة للصراع، مستخدمة نفوذها السياسي للضغط على جميع الأطراف، بما في ذلك حليفها الإسرائيلي.
وهكذا، تبدو الجبهة اللبنانية اليوم عند تقاطع مسارين متوازيين: مسار عسكري يهدد بإسقاط الهدنة في أي لحظة، ومسار سياسي تحاول واشنطن من خلاله فرض تفاهمات إقليمية جديدة. وبين المسارين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الدبلوماسية في لجم الحرب، أم أن نار الجنوب ستلتهم الهدنة قبل أن تولد فعلياً؟
