بوينس آيرس تراهن على استقطاب 5 آلاف عائلة فائقة الثراء خلال خمس سنوات، فيما تتحول باتاغونيا إلى وجهة لمن يريدون خطة بديلة في عالم يزداد اضطراباً
لم تعد خطط التحوّط لدى بعض أصحاب الثروات الكبرى تقتصر على تنويع الاستثمارات وشراء الذهب أو تشييد الملاجئ المحصّنة. فئة منهم بدأت تبحث عن خيار أكثر شمولاً: بلد بعيد يمكن نقل الأسرة والثروة إليه إذا اندلعت حرب واسعة أو شهدت القوى الكبرى أزمة تهدد الاستقرار والأمان.
وفي هذا السياق، تسعى الأرجنتين إلى استقطاب هؤلاء، الذين يُطلق عليهم في أوساط الاستثمار والهجرة وصف «مستثمري يوم القيامة»، عبر خطوات تستهدف جذب الأثرياء الأجانب ومنحهم مساراً للحصول على الجنسية مقابل استثمارات محددة.
وقال أرماند أرتون، الذي تنشط شركته في مجال الاستثمار والهجرة ضمن تحالف يقدم المشورة للحكومة الأرجنتينية، لصحيفة «صنداي تايمز»: «هؤلاء هم مستثمرو يوم القيامة. إنهم يتوقعون حرباً في أوروبا أو سيناريو متطرفاً في الولايات المتحدة أو كندا، ويبحثون عن مكان يعيدون توطين حياتهم فيه».
وأضاف أن هؤلاء ينظرون إلى الأرجنتين بوصفها ملاذاً بعيداً عن مناطق الصراعات المحتملة، حيث يمكنهم الحفاظ على مستوى معيشي مماثل لما اعتادوه في بلدانهم.
5 آلاف عائلة فائقة الثراء
تأمل الحكومة الأرجنتينية في استقطاب نحو 5 آلاف عائلة شديدة الثراء خلال السنوات الخمس المقبلة، في رهان على تحويل المخاوف الجيوسياسية لدى المستثمرين إلى تدفقات مالية جديدة.
ويأتي هذا التوجه في إطار مساعي الرئيس خافيير ميلي لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز الموارد المالية للبلاد، التي عانت خلال عقود أزمات اقتصادية متكررة وتضخماً مرتفعاً ومشكلات في خدمة ديونها.
وتراهن السلطات على أن انتقال العائلات الثرية سيولّد استثمارات في العقارات والخدمات والأعمال، فضلاً عن توفير موارد مالية جديدة للخزينة العامة.
لكن الهدف المعلن باستقطاب 5 آلاف عائلة لا يعني أن هذا العدد انتقل بالفعل إلى البلاد، بل يمثل طموحاً حكومياً خلال السنوات المقبلة.
الجنسية مقابل الاستثمار
تعمل الأرجنتين على تطوير مسار للحصول على الجنسية عبر الاستثمار، يستهدف جذب الأجانب القادرين على ضخ أموال كبيرة في الاقتصاد.
وتداولت تقارير عن خيارات استثمارية تشمل مساهمة غير قابلة للاسترداد في الخزينة العامة بقيمة 350 ألف دولار، أو استثمار بقيمة 800 ألف دولار في سند حكومي مخصص للبرنامج. وتبقى تفاصيل هذه الخيارات وشروطها وآلية تنفيذها بحاجة إلى التحقق من النصوص الرسمية النافذة قبل التعامل معها بوصفها شروطاً نهائية معتمدة.
وتراهن الحكومة على أن الجمع بين إمكانية الحصول على الجنسية، والاستقرار النسبي الذي يتصوره المستثمرون، والمساحات الطبيعية الواسعة، سيمنح الأرجنتين ميزة تنافسية في سوق دولية تتزايد فيها برامج الإقامة والجنسية المرتبطة بالاستثمار.
باتاغونيا… جغرافيا العزلة والأمان
تتجه الأنظار خصوصاً إلى باتاغونيا، المنطقة الشاسعة الممتدة في جنوب الأرجنتين، بما تضمه من جبال وبحيرات وغابات ومساحات قليلة الكثافة السكانية.
وتبرز مدينة باريلوتشي ومحيطها بوصفهما من الوجهات التي تجذب أصحاب الثروات الباحثين عن عقارات واسعة وخصوصية وإمكانية الابتعاد عن المراكز الحضرية الكبرى.
وتكمن جاذبية المنطقة بالنسبة إلى هؤلاء في بعدها الجغرافي عن أوروبا والشرق الأو سط ومراكز التنافس العسكري الكبرى، فضلاً عن مواردها الطبيعية ومساحاتها التي تسمح ببناء مساكن خاصة ومنشآت مستقلة.
غير أن البعد الجغرافي لا يوفر ضمانة مطلقة ضد الأزمات؛ فالأرجنتين نفسها ليست بمنأى عن التقلبات الاقتصادية والسياسية، كما أن امتلاك عقار فيها لا يعني تلقائياً الحصول على الجنسية أو الحماية من جميع المخاطر.
من يشتري الأمان؟
تعكس هذه الظاهرة تحولاً في طريقة تفكير بعض أصحاب الثروات الكبرى. فبدلاً من الاكتفاء بشراء عقارات في مدن عالمية أو الاحتفاظ بأصول مالية في دول متعددة، يسعى بعضهم إلى توزيع مخاطر حياته نفسها بين أكثر من بلد.
وتشمل هذه الاستراتيجية، بحسب طبيعة كل حالة، الحصول على إقامة أو جنسية ثانية، وشراء منزل يمكن الانتقال إليه، ونقل جزء من الأصول المالية، وتأمين التعليم والخدمات الصحية للأسرة في بلد بديل.
وتُظهر هذه المقاربة أن المخاوف من الحروب والأزمات السياسية باتت عاملاً مؤثراً في قرارات الهجرة والاستثمار لدى شريحة من الأثرياء، وإن كان من الصعب تحديد حجم هذه الفئة أو قياس مدى انتشار الظاهرة عالمياً بدقة.
فرصة اقتصادية أم سوق لبيع الأمان؟
تراهن الأرجنتين على أن استقطاب العائلات الثرية سيعزز تدفقات الأموال الأجنبية ويدعم الاقتصاد. لكن هذا الرهان يطرح أسئلة حول طبيعة الاستثمارات التي ستدخل البلاد، ومدى مساهمتها في خلق الوظائف والأنشطة الإنتاجية، بدلاً من اقتصارها على شراء العقارات والأراضي الفاخرة.
كما يثير تملك الأجانب مساحات واسعة من الأراضي تساؤلات تتعلق بحقوق السكان المحليين، والوصول إلى الموارد الطبيعية، وتأثير ارتفاع أسعار العقارات في المجتمعات القريبة من المناطق السياحية.
وتبرز أيضاً ضرورة إخضاع الأموال الداخلة إلى البلاد لتدقيق صارم في مصادرها، منعاً لاستغلال برامج الجنسية والاستثمار في غسل الأموال أو إخفاء الملكية الحقيقية للأصول.
وفي المحصلة، تحاول الأرجنتين تحويل مخاوف بعض الأثرياء من مستقبل العالم إلى فرصة اقتصادية، فيما يسعى هؤلاء إلى شراء خيار احتياطي لحياتهم في بلد يرونه بعيداً عن مراكز الصراع.
إنها سوق جديدة للأمان الجغرافي والسياسي، تتقاطع فيها حسابات الثروة مع هواجس الحرب، وتصبح فيها الجنسية الثانية والعقار البعيد جزءاً من خطة لمواجهة أسوأ السيناريوهات المحتملة.
