"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

« الطبع يغلب التطبع ».. لماذا يصعب إخفاء شخصيتك الحقيقية مهما حاولت التغيير؟

نيوزاليست
الخميس، 15 أكتوبر 2026

« الطبع يغلب التطبع ».. لماذا يصعب إخفاء شخصيتك الحقيقية مهما حاولت التغيير؟

هل يمكن للإنسان أن يخفي شخصيته الحقيقية خلف تصرفات مدروسة، أو أن يغيّر طباعه التي رافقته لسنوات طويلة؟ لطالما ردّد الناس المثل القائل «الطبع يغلب التطبع»، في إشارة إلى أن الإنسان يعود في النهاية إلى طبيعته مهما حاول إخفاءها. واليوم، تسلّط الأبحاث العلمية الضوء على جانب من هذه الفكرة، بعدما أظهرت دراسة أن السمات الأساسية للشخصية تميل إلى الاستقرار نسبيًا خلال مرحلة البلوغ، رغم إمكانية تطورها وتغيرها مع مرور الوقت.

هل يمكن تغيير الشخصية فعلًا؟

قد يعتقد البعض أن تغيير الشخصية يتطلب قرارًا حاسمًا أو رغبة قوية في التخلص من بعض الصفات، مثل العصبية أو الخجل أو الانطواء. لكن المسألة أكثر تعقيدًا؛ فالشخصية تتشكل نتيجة تفاعل عوامل متعددة، تشمل الاستعدادات الفردية والتجارب الحياتية والبيئة الاجتماعية.

ووفقًا لدراسة منشورة في مجلة Scandinavian Journal of Psychology، تناولت استقرار السمات الشخصية الأساسية لدى البالغين بين سن 33 و42 عامًا، فإن هذه السمات تميل إلى الاحتفاظ بقدر كبير من الاستقرار خلال هذه المرحلة العمرية، مع تسجيل تغيرات في مستويات بعضها.

وشملت الدراسة 192 مشاركًا، بينهم 89 رجلًا و103 نساء، كانوا جزءًا من دراسة طولية فنلندية تناولت الشخصية والتطور الاجتماعي في مدينة يوفاسكولا.

وأظهرت النتائج انخفاضًا في متوسط مستوى العصابية، وهي سمة ترتبط بالميل إلى القلق والتوتر والانفعالات السلبية، في حين ارتفعت متوسطات الانبساطية والانفتاح على التجارب الجديدة والتوافق والضمير الحي بين سن 33 و42 عامًا.

وتشير هذه النتائج إلى أن الشخصية ليست ثابتة بصورة مطلقة، لكنها لا تتغير بالسهولة نفسها التي قد تتغير بها العادات أو السلوكيات اليومية.

السمات الخمس الكبرى.. كيف تتشكل شخصيتك؟

يعتمد كثير من الباحثين في علم النفس على نموذج السمات الشخصية الخمس الكبرى، المعروف باسم «Big Five»، لفهم الفروق بين الشخصيات البشرية. ويشمل هذا النموذج خمسة أبعاد رئيسية:

الانبساطية: ترتبط بالاجتماعية والنشاط والميل إلى التفاعل مع الآخرين، مقابل تفضيل الهدوء وقلة الاختلاط لدى بعض الأشخاص.

التوافق: يعكس الميل إلى التعاون والتعاطف ومراعاة مشاعر الآخرين، مقابل الميل إلى التنافس أو التشكيك في نواياهم.

الضمير الحي: يرتبط بالتنظيم والانضباط وتحمل المسؤولية والالتزام بالأهداف.

الانفتاح على التجارب: يشير إلى الفضول الفكري وتقبل الأفكار الجديدة والاستعداد لخوض تجارب مختلفة.

العصابية: ترتبط بدرجة الميل إلى القلق والتوتر والانفعال وصعوبة التعامل مع الضغوط.

ولا تعني هذه السمات أن الإنسان ينتمي بصورة مطلقة إلى نوع واحد من الشخصيات؛ إذ يمتلك كل شخص مزيجًا خاصًا منها، بدرجات متفاوتة.

كما أن ارتفاع سمة معينة أو انخفاضها لا يعني بالضرورة أن الشخصية أفضل أو أسوأ، بل يساعد على فهم طريقة تفكير الإنسان وشعوره وتصرفه في مواقف مختلفة.

لماذا نعود أحيانًا إلى طباعنا القديمة رغم محاولات التغيير؟

قد ينجح شخص في التحكم في غضبه داخل العمل، لكنه يجد صعوبة أكبر في ذلك عندما يكون مرهقًا أو يواجه ضغوطًا عائلية. وقد يتعلم شخص خجول التحدث بثقة أمام الآخرين، لكنه يظل بحاجة إلى وقت لاستعادة طاقته بعد المواقف الاجتماعية.

وتوضح هذه الأمثلة الفرق بين تغيير السلوك وتغيير السمات الشخصية. فقد يتعلم الإنسان استراتيجيات جديدة للتعامل مع المواقف، من دون أن تختفي ميوله الأساسية تمامًا.

كذلك، يمكن للضغوط النفسية والتعب والبيئة المحيطة أن تؤثر في الطريقة التي تظهر بها بعض السمات. ولهذا قد يشعر الإنسان بأنه عاد إلى تصرفاته القديمة في لحظات التوتر، حتى بعدما حقق تقدمًا ملحوظًا في التحكم فيها.

لكن ذلك لا يعني أن التغيير مستحيل، أو أن الإنسان محكوم بتكرار السلوك نفسه طوال حياته. فالثبات النسبي للشخصية لا يمنع اكتساب مهارات جديدة أو تطوير استجابات أكثر نضجًا.

الزواج والعمل والصدمات.. أحداث قد تغير ملامح الشخصية

لا تتطور الشخصية بمعزل عن التجارب التي يعيشها الإنسان. فالدخول إلى سوق العمل، والزواج، والتعرض لأحداث صادمة، والمعاناة من مشكلات صحية طويلة الأمد، كلها تجارب ارتبطت في بعض الدراسات بتغيرات لاحقة في السمات الشخصية.

وقد تدفع المسؤوليات الجديدة الإنسان إلى أن يصبح أكثر تنظيمًا والتزامًا، أو تساعده التجارب الصعبة على إعادة النظر في أولوياته وطريقة تعامله مع الآخرين.

وفي المقابل، قد تزيد بعض التجارب من مستويات القلق أو تؤثر في الثقة بالنفس، بحسب طبيعة الحدث والظروف المحيطة به ومدى الدعم الذي يحصل عليه الشخص.

لكن من المهم التمييز بين الارتباط والسببية، فارتباط حدث معين بتغير في الشخصية لا يعني بالضرورة أنه السبب المباشر لهذا التغير، إذ تتداخل عوامل نفسية واجتماعية وصحية عديدة في تشكيل مسار الإنسان.

كيف تطور شخصيتك وتتخلص من الصفات التي تزعجك؟

إذا كانت بعض طباعك تسبب لك مشكلات في علاقاتك أو حياتك المهنية، فلا يعني ذلك أنك عاجز عن التغيير. لكن الوصول إلى نتائج ملموسة يحتاج إلى الصبر والوعي والممارسة المستمرة.

  1. تعرّف إلى أنماط سلوكك: حاول تحديد المواقف التي تثير غضبك أو قلقك أو تدفعك إلى الانسحاب. فمعرفة المحفزات تساعدك على فهم ردود أفعالك بدلًا من الاكتفاء بلوم نفسك.

  2. ركّز على السلوك الذي تريد تغييره: بدلًا من أن تقول «أريد أن أصبح شخصًا مختلفًا»، حدد هدفًا واضحًا، مثل التوقف قليلًا قبل الرد عند الغضب، أو التعبير عن رأيك في الاجتماعات، أو الالتزام بجدول يومي أكثر انتظامًا.

  3. امنح نفسك الوقت: لا تتوقع أن تختفي عادة راسخة خلال أيام قليلة. فالتغيير يتطلب تكرار السلوك الجديد في مواقف مختلفة، مع تقبل احتمال التراجع أحيانًا من دون اعتبار ذلك فشلًا نهائيًا.

  4. اطلب المساعدة عند الحاجة: قد يساعدك اختصاصي نفسي على فهم الأنماط التي تتكرر في حياتك، وتطوير طرق أكثر فاعلية للتعامل مع القلق أو الغضب أو الصعوبات في العلاقات.

هل علينا تقبّل الآخرين كما هم؟

تفتح هذه النتائج أيضًا بابًا للتفكير في توقعاتنا من الأشخاص المحيطين بنا. فكثيرًا ما ندخل العلاقات ونحن نعتقد أننا نستطيع تغيير طباع الطرف الآخر، سواء كان شريكًا عاطفيًا أو صديقًا أو فردًا من العائلة.

لكن محاولة تغيير شخصية شخص آخر بالقوة قد تتحول إلى مصدر دائم للصراع والإحباط. والأكثر واقعية هو التمييز بين السمات التي قد يصعب تغييرها وبين السلوكيات التي يمكن التفاوض بشأنها، مثل احترام الحدود والالتزام بالوعود وطريقة التعامل أثناء الخلافات.

فليس مطلوبًا أن نتقبل الإهانة أو الأذى بحجة أن هذا هو «طبع» الشخص، كما أن الاعتراف بصعوبة التغيير لا يعني إعفاء الإنسان من مسؤولية تصرفاته.

وفي بعض الحالات، يكون الحل في بناء تفاهم جديد، أو وضع حدود واضحة، أو طلب المساعدة المتخصصة، وقد يكون الابتعاد هو الخيار الأنسب إذا استمر الأذى.

هل الطبع يغلب التطبع فعلًا؟

تقدم الأبحاث صورة أكثر توازنًا من المثل الشائع؛ فالشخصية تميل إلى الاستقرار النسبي، لكنها ليست قالبًا جامدًا لا يتغير. ويمكن للإنسان أن يطور طريقة تفكيره، ويحسن استجاباته الانفعالية، ويكتسب عادات ومهارات تساعده على التعامل مع الحياة بصورة أفضل.

والأهم هو ألا يتحوّل تقبل الذات إلى ذريعة لرفض التطور، وألا تتحول الرغبة في التغيير إلى حرب مستمرة ضد النفس.

فربما لا نستطيع محو كل ملامح شخصيتنا، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نتعامل معها، وكيف نحد من الجوانب التي تؤذينا أو تؤذي الآخرين، ونمنح نقاط قوتنا مساحة أكبر للظهور. وفي النهاية، لا يتعلق النضج بأن نصبح أشخاصًا مختلفين تمامًا، بل بأن نفهم أنفسنا بصورة أعمق ونختار تصرفاتنا بوعي أكبر.

المقال السابق
لا شجارات ولا خلافات.. 3 علامات صامتة تكشف أن علاقتك العاطفية تعاني من «متلازمة الحياة المتوازية»
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

«كنت أشعر بالذنب كلما فكرت بالسعادة».. هاري يتحدث عن حزنه على ديانا وعطرها «الشافي»

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية