"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

من نيس إلى بيروت… الكرسي الأزرق يكبر مترين ويستحضر هوية لبنان وسط عاصفة الانتقادات

نيوزاليست
الخميس، 29 أكتوبر 2026

من نيس إلى بيروت… الكرسي الأزرق يكبر مترين ويستحضر هوية لبنان وسط عاصفة الانتقادات

لم يمرّ مجسّم الكرسي الأزرق الذي نُصب على كورنيش عين المريسة في بيروت مروراً عابراً. فالعمل الفني المستوحى من أحد أشهر رموز مدينة نيس الفرنسية، سرعان ما تحوّل إلى مادة للنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من رأى فيه إضافة جمالية وسياحية للعاصمة، ومن انتقد المشروع في بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية ومعيشية متفاقمة.

لكن وراء هذا الجدل حكاية فنية تجمع مدينتين على ضفّتَي البحر الأبيض المتوسط، وتكشف عن محاولة لنقل رمز فرنسي معروف إلى بيروت، مع إضافة عناصر تستحضر الهوية اللبنانية.

الفنانة نفسها… ونسخة أكبر في بيروت

المجسّمان من تصميم الفنانة الفرنسية سابين جيرودي (Sabine Géraudie)، المعروفة باسم «ساب» (SAB)، صاحبة التصميم الفني للكرسي الأزرق في نيس، التي تولّت أيضاً تصميم النسخة البيروتية.

لكن نسخة بيروت لا تكتفي باستعادة الفكرة الأصلية، بل تتجاوزها حجماً. إذ يبلغ ارتفاع المجسّم في العاصمة اللبنانية نحو خمسة أمتار، مقابل نحو ثلاثة أمتار في نيس، أي إنه أعلى بنحو مترين، وبنسبة تقارب 67 في المئة.

وأُقيم المجسّم على كورنيش عين المريسة، بإطلالة على البحر الأبيض المتوسط، ليشكّل معلماً فنياً جديداً في الفضاء العام للعاصمة.

ولا تقتصر خصوصيته على حجمه، إذ يتضمّن التصميم خريطة لبنان، فيما استُخدم الرخام اللبناني في قاعدته، في محاولة لإضفاء طابع محلي على عمل يستلهم رمزاً ارتبط بمدينة فرنسية.

من كورنيش الإنجليز إلى عين المريسة

في نيس، لم يعد الكرسي الأزرق مجرد قطعة أثاث مخصّصة للجلوس، بل أصبح جزءاً من الذاكرة البصرية للمدينة، المرتبطة بكورنيش الإنجليز والبحر وأسلوب الحياة المتوسطي.

وتعود جذور الكراسي الزرقاء التقليدية إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين بدأ تطوير مقاعد أكثر متانة لاستخدامها على الواجهة البحرية. ومع مرور السنوات، تحوّلت إلى علامة مميّزة لنيس، تستحضر مشاهد التنزّه والاسترخاء ومراقبة الأمواج.

ومن هذه الخلفية انطلقت الفنانة سابين جيرودي لتقديم الكرسي في صيغة فنية ضخمة، قبل أن تنتقل الفكرة إلى بيروت، حيث اكتسبت حجماً أكبر وتفاصيل ترتبط بالهوية اللبنانية.

وهكذا، لا تقوم العلاقة بين المجسّمين على التشابه الشكلي وحده، بل على استحضار رمز من مدينة متوسطية وإعادة تقديمه في مدينة أخرى، مع محاولة دمجه في محيطها المحلي.

مبادرة ثقافية وسياحية

جاء مجسّم بيروت في إطار مبادرة خاصة تهدف إلى إضافة معلم فني على الواجهة البحرية، وتعزيز الجاذبية السياحية للعاصمة، فضلاً عن إبراز الروابط الثقافية بين لبنان وفرنسا.

ويحمل المشروع، وفق هذا التصوّر، رسالة تتجاوز الفن إلى التلاقي بين المدن المتوسطية، مستفيداً من شهرة الكرسي الأزرق في نيس ومن رمزيته المرتبطة بالبحر والانفتاح والحياة العامة.

كما أن استخدام الرخام اللبناني وإدماج خريطة لبنان في التصميم يقدّمان محاولة لمنح النسخة البيروتية شخصية خاصة، بدلاً من الاكتفاء بنقل النموذج الفرنسي كما هو.

غير أن القيمة السياحية لأي معلم لا تتحدد بحجمه أو شكله وحدهما، بل بقدرته على الاندماج في الحياة اليومية للمدينة، وجذب الزوار، والتحوّل إلى نقطة معروفة في فضائها العام.

لماذا أثار المجسّم الانتقادات؟

على مواقع التواصل الاجتماعي، أثار نصب الكرسي الأزرق نقاشاً اتخذ في بعض جوانبه طابعاً ساخراً وانتقادياً. وتساءل معلّقون عن جدوى إقامة مجسّم ضخم في وقت يواجه فيه اللبنانيون أزمات اقتصادية ومعيشية، وتبقى فيه ملفات الخدمات العامة والبنية التحتية والتعافي الاقتصادي في صدارة الاهتمامات.

ويعكس هذا الجدل حساسية الإنفاق على المشاريع الرمزية في بلد يعاني ضغوطاً مالية واجتماعية، حتى عندما تكون المبادرة ذات طابع فني أو سياحي.

في المقابل، يمكن النظر إلى المشروع باعتباره محاولة لإضفاء حيوية على الواجهة البحرية، وإضافة عنصر جمالي إلى الفضاء العام، وتعزيز حضور بيروت في المشهد السياحي المتوسطي.

وبين هذين الموقفين، لا يقتصر النقاش على جمال المجسّم أو حجمه، بل يمتد إلى السؤال عن موقع الفن والمشاريع السياحية في سلّم الأولويات، وعن كيفية تحقيق التوازن بين الحاجة إلى تحسين المشهد الحضري والاستجابة للأزمات التي يواجهها السكان.

كرسي أكبر… ورهان على بيروت

بين نيس وبيروت، يتجاوز الفارق مترين في الارتفاع. ففي حين يستند الكرسي الأزرق الفرنسي إلى تاريخ طويل من الارتباط بالواجهة البحرية للمدينة، يحاول نظيره اللبناني اكتساب دلالته الخاصة من خلال خريطة لبنان والرخام المحلي وموقعه على كورنيش عين المريسة.

لكن الحجم الأكبر لا يضمن وحده نجاح التجربة. فالمعيار الفعلي سيكون في قدرة المجسّم على التحوّل إلى معلم يستقطب الزوار، ويضيف قيمة إلى الفضاء العام، ويصبح جزءاً من صورة بيروت التي تسعى إلى استعادة دورها الثقافي والسياحي.

وهكذا، يقف الكرسي الأزرق البيروتي عند تقاطع الفن والسياحة والهوية والجدل الاجتماعي: رمز مستوحى من نيس، صاغته الفنانة نفسها بحجم أكبر، لكنه يواجه اختباراً محلياً يتعلق بمدى تقبّل الناس له، وبقدرته على تجاوز الجدل الأولي ليصبح جزءاً من ذاكرة العاصمة.

المقال السابق
هيغسيث يقيل كبير المخططين العسكريين في البنتاغون وسط ترقّب استئناف الضربات على إيران
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

وفاءٌ للشريك أم خوفٌ من مواجهة الحقيقة... لماذا نتغاضى عن أخطاء من نحب؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية