قبل أربعة أيام فقط من اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني، كانت وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات على عشرة أفراد وكيانات إيرانية وفنزويلية متورطة في تجارة الأسلحة بين البلدين.
وكان من بين المستهدفين شركة الصناعات الجوية الوطنية الفنزويلية، التي قالت الخزانة الأميركية إنها تولت تجميع طائرات مسيّرة إيرانية من سلسلة «مهاجر» داخل فنزويلا، وأنها تفاوضت مباشرة على شراء طائرات «مهاجر-6» القتالية بملايين الدولارات.
لم تكن العلاقة بين طهران وكاراكاس جديدة. فمنذ عهد هوغو تشافيز، تطورت الشراكة بين البلدين لتشمل الدفاع والطاقة والمصارف والزراعة والصناعة، وتحولت فنزويلا إلى أحد أبرز حلفاء إيران في نصف الكرة الغربي.
لكن بعد أشهر قليلة من إطاحة مادورو، تبدو العلاقة وكأنها تدخل مرحلة مختلفة تماماً.
فقد أعلنت فنزويلا وإسرائيل هذا الأسبوع الاتفاق على إنشاء آلية لتقديم الخدمات القنصلية، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل 17 عاماً. ولم تصل الخطوة بعد إلى حد استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة أو إعادة فتح السفارات، لكنها تمثل تحولاً لافتاً في سياسة كاراكاس الخارجية، خصوصاً بالنظر إلى تاريخ العداء الذي طبع علاقة فنزويلا بإسرائيل خلال عهد تشافيز ومادورو.
وجاء الاتفاق بعد محادثات بين وزير الخار جية الفنزويلي فيليكس بلاسينسيا ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، واتفق الطرفان أيضاً على مواصلة التعاون التقني الذي بدأ بعد إرسال إسرائيل فرقاً للمساعدة في عمليات الإغاثة والتعافي إثر الزلزالين المدمرين اللذين ضربا فنزويلا في حزيران.
وتكتسب المساعدة الإسرائيلية أهمية سياسية تتجاوز بعدها الإنساني. فقد كانت إسرائيل من أوائل الجهات التي أرسلت فرقاً متخصصة للمساعدة في مواجهة آثار الكارثة، فيما ساهمت فرق إسرائيلية في عمليات البحث والإنقاذ وتقييم الأضرار.
أما أهمية التطور بالنسبة إلى إيران، فلا تكمن في مضمون الاتفاق القنصلي بحد ذاته، بل في هوية الطرف الذي اختارت كاراكاس فتح قناة رسمية معه.
فخلال سنوات تشافيز، كانت فنزويلا بالنسبة إلى إيران شريكاً استراتيجياً في أميركا اللاتينية، ودولة مستعدة لتحدي السياسة الأميركية والانفتاح على التعاون مع الصناعات الدفاعية الإيرانية.
في حرب لبنان عام 2006، شن تشافيز هجوماً شديداً على إسرائيل، واتهمها بارتكاب ما وصفه بـ«محرقة جديدة». وفي عام 2009، خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، طردت فنزويلا السفير الإسرائيلي وقطعت العلاقات الدبلوماسية، فيما أطلق تشافيز تصريحات شديدة اللهجة ضد إسرائيل.
وفي المقابل، كانت العلاقة مع إيران تتعمق بسرعة.
بعد وصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة الإيرانية عام 2005، نشأت علاقة وثيقة بينه وبين تشافيز، وتبادل الرجلان الزيارات، ووقعت حكومتا البلدين مئات الاتفاقات في مجالات الطاقة والمصارف والزراعة والإسكان والإسمنت وصناعة السيارات.
وبحلول نهاية عهد تشافيز، كانت إيران قد أصبحت شريكاً اقتصادياً وسياسياً مهماً لفنزويلا. وقدّرت مراكز بحثية أميركية الاستثمارات والقروض الإيرانية في البلاد بمليارات الدولارات، رغم أن كثيراً من المشاريع لم يحقق النتائج التي وعدت بها الحكومتان.
ومع نيكولاس مادورو، اكتسب التحالف معنى أكثر براغماتية. فقد فرضت العقوبات الأميركية والغربية على البلدين قيوداً واسعة، وجعلت كلاً منهما بحاجة إلى الآخر.
ظهر ذلك بوضوح في قطاع النفط.
عندما انهارت قدرة فنزويلا على تكرير النفط، خصوصاً عام 2020، قدمت إيران الوقود وقطع الغيار والخبرات الفنية، وتطورت بين البلدين ترتيبات لمقايضة النفط، حصلت بموجبها شركة النفط الفنزويلية الحكومية على النفط والمكثفات الإيرانية مقابل شحنات من النفط الفنزويلي.
وبحسب بيانات استشهدت بها رويترز، استوردت فنزويلا نحو 73 ألف برميل يومياً من النفط والمكثفات الإيرانية عام 2022، ون حو 40 ألف برميل يومياً عام 2023.
كما شاركت إيران في إصلاح منشآت التكرير الفنزويلية، ووقعت كاراكاس وطهران عام 2022 خطة تعاون لمدة 20 عاماً شملت النفط والبتروكيماويات والدفاع والزراعة والسياحة والثقافة.
كان واضحاً آنذاك أن البلدين ينظران إلى علاقتهما باعتبارها تحالفاً استراتيجياً في مواجهة الضغوط الأميركية.
لكن شيئاً تغير قبل سقوط مادورو.
فمع تخفيف بعض العقوبات الأميركية لفترات محدودة وعودة فنزويلا تدريجياً إلى الأسواق الدولية، بدأت قيمة العلاقة الاقتصادية مع إيران تتراجع. وأشارت تقارير إلى تعثر اتفاقات مقايضة النفط وتفضيل شركة النفط الفنزويلية التعامل مع مشترين قادرين على الدفع نقداً، بدلاً من الالتزام بترتيبات المقايضة مع إيران.
بمعنى آخر، كانت قيمة إيران بالنسبة إلى فنزويلا أكبر عندما لم تكن أمام كاراكاس خيارات أخرى.
وهذا العامل تحديداً أصبح أكثر أهمية بعد اعتقال مادورو.
ففي 3 كانون الثاني، أعلنت الولايات المتحدة أنها نفذت عملية عسكرية واسعة في فنزويلا انتهت باعتقال مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة.
وبعد إزاحة مادورو، بدأت الحكومة الجديدة برئاسة ديلسي رودريغيز إعادة ترتيب علاقاتها الخارج ية، وسط ضغط أميركي واضح لإبعاد فنزويلا عن إيران وروسيا والصين.
وفي آذار، اتفقت واشنطن وكاراكاس رسمياً على استعادة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، في خطوة شكلت تحولاً كبيراً مقارنة بالعلاقة المتوترة التي طبعت السنوات السابقة.
ثم جاء الخلاف العلني مع إيران في تموز.
استدعت فنزويلا السفير الإيراني وقدمت إليه مذكرة احتجاج على تصريحات وصفتها بأنها «مسيئة وغير مناسبة» بحق المؤسسات والسلطات الفنزويلية. وجاءت الخطوة بعدما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في معرض حديثه عن المواجهة مع الولايات المتحدة، إن إيران «ليست فنزويلا»، في إشارة إلى أن ما جرى مع مادورو لا يمكن تكراره مع طهران.
ولم تكتفِ كاراكاس بالاعتراض على التصريح، بل طالبت بوقف أي مقارنة من شأنها المساس بـ«كرامة فنزويلا وسيادتها وسلامة مؤسساتها وسمعتها».
كان ذلك مؤشراً نادراً على توتر علني بين حليفين أمضيا عقدين تقريباً في بناء علاقة استراتيجية.
ثم، بعد أقل من أسبوعين، جاء الإعلان عن استئناف التعاون القنصلي مع إسرائيل.
وهنا تبدو الصورة أوضح.
فنزويلا لا تعلن قطع علاقاتها مع إيران، ولم تعلن إلغاء خطة التعاون الممتدة لـ20 عاماً، كما أن البنية ا لعسكرية والاقتصادية التي أقيمت خلال عقدين لا يمكن تفكيكها باتفاق قنصلي.
لكن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستبقى فنزويلا حليفة لإيران؟
بل أصبح: ماذا تحتاج فنزويلا من إيران الآن؟
في عام 2022، كان بإمكان مادورو أن يقول لطهران إن إيران وقفت إلى جانب بلاده عندما لم يكن هناك من يساعدها. أما في عام 2026، فقد تغيرت المعادلة.
فكاراكاس تعيد فتح قنواتها مع واشنطن، وتستعيد تدريجياً علاقاتها مع الغرب، وتقترب من إسرائيل، وتحصل على دعم دولي لم تكن قادرة على الوصول إليه خلال سنوات العزلة.
وبالنسبة إلى إيران، فإن أخطر ما في التحول الفنزويلي ليس خسارة اتفاق اقتصادي أو مشروع صناعي، بل خسارة الموقع السياسي والاستراتيجي الذي كانت فنزويلا توفره لها في نصف الكرة الغربي.
فالدولة التي كانت واحدة من أكثر حلفاء طهران حماسة في مواجهة الولايات المتحدة، وتبنت خطاباً شديد العداء لإسرائيل، تفتح اليوم قناة رسمية مع إسرائيل نفسها.
إنه ليس انقلاباً كاملاً في السياسة الخارجية الفنزويلية بعد، لكنه بالتأكيد إعادة تموضع.
وبالنسبة إلى طهران، قد تكون الرسالة الأهم أن الحلفاء الذين اعتمدوا عليها عندما كانوا معزولين، قد يعيدون حساباتهم عندما تتغير ا لظروف.
أما كاراكاس، فتبدو وكأنها تختبر قاعدة جديدة: حين تتسع الخيارات، تتراجع قيمة الحليف الذي كان لا بديل عنه.
وهذا ربما يكون أحد أكبر التحولات الجيوسياسية التي خلفها سقوط مادورو: ليس فقط خروج رجل من السلطة، بل بدء تفكك شبكة التحالفات التي بناها تشافيز ومادورو مع إيران على مدى عقدين.
والتقارب مع إسرائيل، بعد 17 عاماً من القطيعة، قد يكون الإشارة الأكثر وضوحاً إلى أن فنزويلا الجديدة لا تعيد بناء علاقاتها الخارجية فحسب، بل تعيد تعريف موقعها بين واشنطن وطهران وتل أبيب.
