حمل السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى سلسلة رسائل سياسية وأمنية خلال جولته على الرؤساء جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام، واضعاً الملف اللبناني مجدداً في صلب الاهتمام الأميركي، ومؤكداً أن واشنطن تعمل لمنع توسع المواجهة العسكرية والحفاظ على وقف إطلاق النار، فيما كشف معطيات جديدة تتعلق بـ”المنطقة التجريبية” في الجنوب وبمسار المفاوضات المرتقبة في واشنطن.
“سيحصل وقف إطلاق النار”
بعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، سُئل السفير الأميركي عما إذا كان وقف إطلاق النار لا يزال قائماً، خصوصاً أن بيان بري الأخير لم يوحِ بذلك، فأجاب: “ثمة أمر احتجنا إلى توضيحه، وقد أوضحناه اليوم. سيحصل وقف لإطلاق ا لنار، وكان قرارنا أن يكون شاملاً، لكن كانت هناك نقطة احتاجت إلى توضيح فقمنا بتوضيحها اليوم”.
وشكّلت هذه العبارة أبرز ما صدر عن الدبلوماسي الأميركي، إذ أوحت بوجود اتصالات مكثفة جرت خلال الساعات الماضية لمعالجة التباسات مرتبطة بآلية تطبيق التفاهمات الأمنية ومنع انهيارها بعد التصعيد الأخير.
الضاحية استُهدفت رداً على هجوم الحزب
وعن الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، قال عيسى بوضوح: “استهداف الضاحية جاء رداً على استهداف الحزب”، في إشارة إلى إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل وما تبعه من رد إسرائيلي على الضاحية الجنوبية.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة كونها تعكس القراءة الأميركية الرسمية للأحداث التي شهدتها الساحة اللبنانية خلال الساعات الماضية.
ترامب يتابع الملف شخصياً
وفي معرض حديثه عن الجهود الأميركية لاحتواء التصعيد بين إيران وإسرائيل وانعكاساته على لبنان، أكد السفير الأميركي أن الرئيس دونالد ترامب يتدخل بشكل مباشر لمتابعة الملف.
وقال: “الرئيس ترامب حاول أمس ويحاول”، في إشارة إلى الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة ومنع توسع دائرة المواجهة الإقليمية.
ولم يكتف عيسى بذلك، بل عاد ليؤكد أن الرئيس الأميركي يتابع الملف اللبناني بشكل يومي، قائلاً: “الرئيس ترامب يومياً يتكلم عن لبنان”، معتبراً أن ذلك دليل على أهمية لبنان بالنسبة للإدارة الأميركية الحالية.
نفي التواصل مع حزب الله
ورداً على ما تردد أخيراً بشأن وجود قنوات تواصل مباشرة بين الولايات المتحدة و”حزب الله”، نفى السفير الأميركي الأمر بشكل قاطع.
وقال: “هذا خطأ لا إداري، من أين أتى هذا الكلام؟”، نافياً وجود أي تواصل مباشر مع الحزب.
رسائل بشأن الجنوب والقرى الحدودية
وفي ما يتعلق بعمليات التجريف والهدم التي تتعرض لها قرى جنوب لبنان، أشار عيسى إلى أن واشنطن تتابع التطورات بشكل دقيق.
وقال: “أنتم تعرفون ماذا نفعل في واشنطن ولماذا نجتمع كل أسبوع أو أسبوعين، ونعرف ماذا يحصل في الجنوب. كل ما نريده أن يتوقف ما يحصل، واستطعنا أن نحصل على وقف لإطلاق النار، وعليه على كل طرف أن يعرف ما المطلوب منه وعندها تتوقف الضربات”.
وتعكس هذه التصريحات تمسك الإدارة الأميركية بآلية تنفيذ الالتزامات المتبادلة كمدخل لوقف الضربات العسكرية.
ماذا قال بري؟
وعندما سُئل عمّا إذا كان قد حصل من الرئيس بري على تعهد يتعلق بالتزام “حزب الله” بوقف إطلاق النار، امتنع عن إعطاء جواب مباشر.
وقال: “اسألوا رئيس مجلس النواب. الرئيس بري أعطاني رداً وسنرى لاحقاً”.
لكنه أضاف: “أهم ما يجب أن تعرفوه أننا نحاول قدر المستطاع وقف إطلاق النار”، قبل أن يوجه رسالة سياسية لافتة بالقول: “نريد أن يعود لبنان بلداً مستقلاً، وأنتم تعرفون من يعطي حزب الله الأوامر”.
كشف تفاصيل “المنطقة التجريبية”
ومن أبرز ما أعلنه السفير الأميركي حديثه عن ما يُعرف بـ”المنطقة التجريبية” أو Pilot Zone في الجنوب اللبناني.
وأوضح أن هذه المنطقة ستكون مفتوحة أمام سكانها للعودة إليها، مؤكداً أنها ستكون تحت حماية الجيش اللبناني ولن تتعرض لقصف إسرائيلي.
وقال: “المنطقة التجريبية ستكون مفتوحة لأبنائها الذين سيعودون إليها وستكون تحت حماية الجيش ولن تتعرض للقصف الإسرائيلي”.
وأضاف: “هذه النقطة لم تكن واضحة، إذ لا معنى لأن يذهب الجيش إليها وهي خالية من السكان، بل يهمنا أن يعود الأهالي إليها ويبدأوا بالإعمار وشق الطرقات وإعادة الكهرباء وتكون نموذجاً”.
ويُعد هذا التصريح أول توضيح أميركي بهذا المستوى حول آلية المنطقة المقترحة، والتي يُنظر إليها كاختبار عملي لإعادة السكان إلى المناطق الحد ودية المتضررة.
“إسرائيل ستنسحب”
وفي موقف لافت، أكد عيسى أن الجهود الأميركية تصب في مصلحة لبنان.
وقال: “كل ما يحصل في واشنطن هو لصالح لبنان”، مضيفاً أن “إسرائيل ستنسحب من لبنان وستعيد الأراضي والأسرى”.
ويُعد هذا التصريح من أبرز المواقف الأميركية المتعلقة بمستقبل الوضع الحدودي والملفات العالقة بين لبنان وإسرائيل.
إشادة بعون وبالمفاوضات
وكان السفير الأميركي قد استهل جولته بلقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا، حيث أكد أن البحث تناول مسار المفاوضات اللبنانية – الأميركية – الإسرائيلية والسبل الكفيلة بإنهاء الوضع القائم في لبنان.
وأشاد عيسى بالمواقف التي أعلنها الرئيس عون أخيراً، معتبراً أن اختيار مسار المفاوضات هو “الخيار الوحيد” لإنهاء الوضع الصعب الذي يعيشه لبنان.
كما نوّه بالفريق اللبناني المفاوض، واصفاً إياه بأنه يتمتع بـ”مهنية عالية وفعالية كبيرة”، مؤكداً أن المفاوضات ستُستأنف قريباً في واشنطن.
وأشار إلى أن ما جرى أمس “كان رسالة سياسية”، موضحاً أن الولايات المتحدة قررت عدم السماح بتوسع المواجهة.
وأضاف أن استمرار المفاوضات يحقق تقدماً تدريجياً وقد يحتاج إلى وقت، لكنه يؤثر إيجاباً على لبنان والمنطقة.
وختم بالتأكيد أن “الجليد قد انكسر” وأن الولايات المتحدة مستمرة في مساعدة لبنان على الخروج من أزمته، قائلاً: “وصلنا إلى مرحلة لا رجوع فيها”.
سلام: لا أحد يفاوض باسم لبنان
وفي ختام جولته، زار السفير الأميركي السرايا الحكومية حيث التقى رئيس الحكومة نواف سلام.
وتناول اللقاء تداعيات التصعيد الإقليمي والتحضيرات لجولة المفاوضات المقبلة في واشنطن.
وخلال الاجتماع، شدد سلام على موقف الدولة اللبنانية، مؤكداً أمام السفير الأميركي أن لا أحد يفاوض عن لبنان غير الدولة اللبنانية”.