لم يكن إطلاق “حزب الله” صاروخين باتجاه الجليل صباح الأحد حدثاً عسكرياً معزولاً، بقدر ما بدا جزءاً من مشهد إقليمي أوسع بدأ قبل ساعات مع القصف الصاروخي الإيراني لإسرائيل.
فبينما كانت صفارات الإنذار تدوي في شمال إسرائيل بالتزامن مع انتقال الطلاب إلى مدارسهم، كانت طهران تدرك أنها تضع تل أبيب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الامتناع عن الرد على خرق معادلة “الجليل – الضاحية” التي استقرت خلال الأيام الماضية، وإما العودة إلى استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وأمنية وإقليمية.
اختارت إسرائيل الخيار الثاني.
فقصف الضاحية لم يكن مجرد رد على صاروخين، بل محاولة للحفاظ على معادلة الردع التي أعلنها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، ومفادها أن أي استهداف للشمال الإسرائيلي سيقابله استهداف للضاحية الجنوبية. وهكذا تحولت الضاحية إلى ساحة اختبار عملية لقواعد الاشتباك الجديدة التي تحاول تل أبيب فرضها، وللتفاهمات التي رعتها واشنطن خلال الأسابيع الماضية.
لكن خلف هذا المشهد برزت إيران كلاعب رئيسي يسعى إلى تحقيق أكثر من هدف في وقت واحد.
فطهران، التي تواجه ضغوطاً متزايدة من العقوبات والحصار الاقتصادي والتوترات العسكرية، تبدو معنية بإعادة خلط الأوراق في لحظة حساسة من مفاوضاتها مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة إطلاق الصاروخين من لبنان، ثم القصف الإيراني المباشر لإسرائيل، باعتبارهما جزءاً من رسالة سياسية مركبة.
الرسالة الأولى موجهة إلى الحلفاء والخصوم في آن معاً: إيران ما زالت قادرة على تحريك أكثر من ساحة إقليمية رغم الضغوط المتزايدة عليها، وأن الحديث عن تآكل “وحدة الساحات” أو انتهاء دورها لا يزال سابقاً لأوانه.
أما الرسالة الثانية فموجهة إلى واشنطن مباشرة: إذا كانت الولايات المتحدة تريد تهدئة إقليمية تسمح بإنجاز تفاهم مع طهران، فعليها أن تمارس ضغطاً أكبر على إسرائيل وأن تأخذ المصالح الإيرانية في الاعتبار.
ويكتسب هذا الضغط أهمية إضافية في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى ترامب. فالرئيس الأميركي يسعى إلى منع أي انفجار إقليمي واسع في وقت تتقدم فيه التحضيرات لاستحقاقات دولية واقتصادية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2026، الذي تنظر إليه واشنطن باعتباره حدثاً يتجاوز الرياضة إلى السياسة والأمن والاقتصاد.
ومن هنا تبدو طهران وكأنها تضع ترامب أمام معادلة دقيقة: إما المساعدة في تبريد الجبهات وتسهيل الوصول إلى تفاهمات سياسية، أو مواجهة تصعيد إقليمي قد يهدد الاستقرار الذي تحتاجه الإدارة الأميركية خلال المرحلة المقبلة.
في المقابل، حمل الرد الإسرائيلي رسالة مختلفة تماماً.
ففي نظر تل أبيب، لا تكمن المشكلة في الضاحية بحد ذاتها، بل في أن أي امتناع عن الرد سيؤدي عملياً إلى إسقاط معادلة الردع التي حاولت إسرائيل تثبيتها خلال الأيام الماضية، وسيشجع “حزب الله” على مواصلة استهداف الشمال الإسرائيلي من دون كلفة مقابلة.
ولهذا لم يكن القصف موجهاً إلى بيروت فقط، بل إلى واشنطن أيضاً، ومضمونه أن أي تفاهم إقليمي لا يضمن وقف الهجمات على شمال إسرائيل لن يكون قابلاً للحياة.
وعلى الرغم من الضغوط الأميركية، مضت إسرائيل في توسيع ردها، فاستهدفت مواقع داخل إيران، بينها أهداف عسكرية ومنشآت استراتيجية، وصولاً إلى المجمع البتروكيميائي في ماهشهر. وردت طهران بإطلاق دفعات صاروخية جديدة باتجاه إسرائيل، فيما دخل الحوثيون على الخط بصورة رمزية عبر إطلاق صاروخ جرى اعتراضه.
لكن مع اتساع دائرة الاشتباك، عاد ترامب إلى الواجهة. وبعد اتصالات مكثفة مع الجانبين، نجحت واشنطن في دفع إسرائيل وإيران نحو وقف متبادل لإطلاق النار، لتُسدل الستارة مؤقتاً على الفصل الأول من المواجهة.
غير أن المشكلة بالنسبة إلى لبنان أن هذا الفصل لم يُقفل فعلياً على أرضه.
فبينما تتجه الجبهة الإيرانية – الإسرائيلية نحو التهدئة، يبدو الجنوب اللبناني مرشحاً للبقاء ساحة مفتوحة للتوتر والمواجهات. وبذلك تكون إيران قد نجحت في استخدام الساحة اللبنانية لتحسين شروطها السياسية والتفاوضية، فيما يجد لبنان نفسه مرة جديدة في قلب مواجهة إقليمية أكبر من حدوده وإمكاناته.
وبكلمات أخرى، إذا كان ترامب قد نجح في منع حرب إيرانية – إسرائيلية واسعة، فإن الجنوب اللبناني قد يكون هو المكان الذي ستستمر فيه تداعيات تلك ال
، ولو بأشكال مختلفة. :::
