كشفت تقييمات استخباراتية أميركية عن تحولات في مقاربة القيادة الإيرانية الجديدة للبرنامج النووي، مشيرة إلى أن مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي خلال الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران شكّل نقطة تحول دفعت بعض دوائر صنع القرار في طهران نحو تبني خيارات أكثر تشددًا في الملف النووي.
وبحسب ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أميركيين مطلعين على تقارير استخباراتية، فإن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي يُنظر إليه داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية على أنه أكثر استعدادًا من سلفه للنظر في خيار امتلاك سلاح نووي، في تحول قد يعيد رسم ملامح السياسة النووية الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.
تغير في الحسابات
وترى الاستخبارات الأميركية أن مقتل علي خامنئي خلال الأيام الأولى من العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت إيران في شباط/فبراير الماضي، ساهم في تعزيز الأصوات داخل النظام الإيراني التي تعتبر أن امتلاك سلاح نووي يشكل وسيلة الردع الأكثر فاعلية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويشير مسؤولون أميركيون إلى أن معظم المعلومات المتعلقة بمواقف مجتبى خامنئي تعود إلى ما قبل اندلاع الحرب، إذ بقي بعيدًا عن الأنظار منذ إصابته خلال الضربة الأولى، كما قلّص ظهوره واتصالاته العلنية خشية تعرضه لمحاولات استهداف جديدة.
البرنامج النووي… لم يُستأنف بعد
ورغم هذه المؤشرات، تؤكد التقديرات الأميركية أن إيران لم تستأنف حتى الآن تشغيل برنامجها لتخصيب اليورانيوم أو تطوير سلاح نووي، لكنها اتخذت خطوات للحفاظ على ما تبقى من بنيتها النووية بعد الأضرار التي لحقت بها نتيجة الضربات العسكرية.
وبحسب المسؤولين الأميركيين، فإن سرعة استعادة النشاط النووي تعتمد إلى حد كبير على حجم الأضرار التي تعرضت لها المنشآت النووية الإيرانية، مشيرين إلى أن إعادة تشغيل البرنامج مباشرة بعد الهجمات لم تكن لتؤدي سوى إلى تأخير محدود في الجدول الزمني يقدّر بنحو ستة أشهر.
نقل معدات حساسة
وفي إطار الحفاظ على قدراتها النووية، أفادت التقييمات الأميركية بأن إيران نقلت عددًا من أجهزة الطرد المركزي إلى مجمع جبل “بيك آكس” شديد التحصين تحت الأرض.
ويعتقد مسؤولون أميركيون أن هذه الخطوة تهدف إلى حماية المعدات الأساسية المستخدمة في تخصيب اليورانيوم، بما يضمن الاحتفاظ بقدرات يمكن استخدامها مستقبلًا إذا قررت طهران تسريع برنامجها النووي.
اختلاف عن نهج خامنئي الأب
وتشير التقييمات الأميركية إلى وجود تباين واضح بين نهج مجتبى خامنئي ونهج والده، الذي كان يؤكد باستمرار أن إيران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، مستندًا إلى فتوى دينية أصدرها بهذا الشأن، رغم استمرار بلاده في تطوير برنامجها النووي.
وبحسب مسؤولين استخباراتيين، فإن تصريحات ومحادثات جرى اعتراضها قبل اندلاع الحرب أظهرت أن المرشد الجديد لا يتبنى مستوى التحفظ ذاته، ويبدو أكثر انفتاحًا على توسيع أنشطة التخصيب وتعزيز القدرات العسكرية المرتبطة بالبرنامج النووي.
من نموذج بدائي إلى رأس حربي متطور
وذكرت “نيويورك تايمز” أن أجهزة الاستخبارات الأميركية كانت، في نهاية ولاية الرئيس السابق جو بايدن، تعتقد أن إيران تدرس إمكانية تطوير نموذج بدائي لسلاح نووي.
إلا أن التقييمات الحالية تشير إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة قد تكون مهتمة بالانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تشمل تطوير رأس حربي نووي حراري يمكن دمجه مع صواريخ بعيدة المدى، إذا اتخذ القرار السياسي بذلك.
إعادة إعم ار المنشآت
في السياق ذاته، أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال”، استنادًا إلى تحليل صور أقمار صناعية، بأن إيران تمكنت خلال الأشهر الماضية من إعادة بناء أجزاء كبيرة من البنية التحتية التي تضررت خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأضافت الصحيفة أن عمليات إعادة الإعمار شملت منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، في وقت أقر فيه مسؤولون عسكريون إسرائيليون بأن حملة القصف التي بدأت في 28 شباط/فبراير ألحقت أضرارًا كبيرة بالمنشآت الإيرانية، لكنها لم تنجح في القضاء الكامل على القدرات النووية أو البنية التحتية المرتبطة بها.
تشير هذه المعطيات، وفق التقييمات الأميركية، إلى أن مستقبل البرنامج النووي الإيراني سيبقى مرتبطًا بالخيارات التي ستتخذها القيادة الجديدة، وسط استمرار الضغوط العسكرية والدبلوماسية، وتزايد المخاوف الغربية من احتمال انتقال طهران إلى مرحلة أكثر تقدمًا في برنامجها النووي.
