"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

قراءة في بيان الجيش اللبناني: ما له عسكريًا وما عليه سياسيًا؟

نيوزاليست
الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

قراءة في بيان الجيش اللبناني: ما له عسكريًا وما عليه سياسيًا؟

ليس بيان قيادة الجيش اللبناني الأخير مجرد جردة حساب لما أنجزته المؤسسة العسكرية في الجنوب، ولا هو مجرد رد على التصعيد الإسرائيلي المتواصل. فالبيان، بتوقيته ومضمونه وطريقة عرضه، يحمل رسالة سياسية واضحة بقدر ما يحمل معطيات عسكرية وميدانية: الجيش يقول إنه بدأ تنفيذ ما عليه، وإن استمرار الخروقات الإسرائيلية يجعل استكمال المهمة متعذرًا، وبالتالي فإن الكرة باتت في ملعب إسرائيل والجهات الدولية الراعية لاتفاق الإطار.

لكن قوة البيان عسكريًا لا تعني بالضرورة أن كلفته السياسية معدومة. فبين تثبيت إنجاز الجيش في الميدان، واستخدام هذا الإنجاز كورقة ضغط في السياسة، مساحة واسعة من الحسابات التي تجعل البيان قابلًا للقراءة من زاويتين متناقضتين: ما الذي كسبه الجيش بهذا الموقف، وما الذي قد يخسره عندما ينتقل من موقع المنفذ إلى موقع الضغط السياسي؟

عسكريًا: الجيش يثبت أنه نفّذ ما يستطيع

أقوى ما في البيان أنه لا يكتفي بالشكوى من الاعتداءات الإسرائيلية، بل يقدم كشفًا تفصيليًا لما نفذه الجيش على الأرض. فقد أقام ستة حواجز ثابتة و13 نقطة مراقبة في زوطر الغربية وفرون وصريفا ومحيطها، وسير دوريات راجلة ومدولبة على مدار الساعة، ونفذ عمليات لمصادرة الأسلحة والذخائر وفتح الطرق، كما شارك في تأمين عودة السكان وانتشال جثامين الشهداء.

والأهم أن الجيش يقدم أرقامًا محددة: نحو 1818 قطعة من الأسلحة والذخائر صودرت، بينها منصات إطلاق صواريخ وصواريخ ومسيرات وقنابل وذخائر مختلفة، فيما جرى فتح نحو 12 كيلومترًا من الطرق. هذه الأرقام تؤدي وظيفة تتجاوز التوثيق؛ فهي تؤسس لرواية مفادها أن المؤسسة العسكرية لم تكن مترددة في تنفيذ مهمتها، بل باشرت بالفعل ممارسة السيطرة العملياتية في المناطق المحددة.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في البيان: الجيش لا يطلب إعفاءه من التزاماته، بل يقول إنه بدأ تنفيذها ويريد شروطًا تسمح له باستكمالها.

القوة الثانية: الجيش يربط أمن انتشاره بأمن المنطقة

البيان لا يتعامل مع الخروقات الإسرائيلية باعتبارها أحداثًا منفصلة عن مهمة الجيش، بل يقول إن الاعتداءات نفسها تعيق قدرة المؤسسة العسكرية على إرساء الاستقرار.

وهذه حجة منطقية من الناحية العملياتية. فالجيش يستطيع الانتشار، إقامة الحواجز، تسيير الدوريات ومراقبة حركة الدخول والخروج، لكنه لا يستطيع وحده أن يضمن عودة السكان واستقرارهم إذا بقيت المنطقة معرضة للقصف والهدم والتفجير.

والمثال الذي يقدمه البيان عن زوطر الغربية مهم جدًا في هذا السياق: نحو 70 في المئة من السكان تمكنوا من العودة لتفقد ممتلكاتهم، لكن 16 في المئة فقط تمكنوا من الاستقرار، فيما دُمر 85 في المئة من المنازل بشكل كامل و15 في المئة بشكل جزئي.

أي أن انتشار الجيش لا يساوي بالضرورة استقرارًا، وهذه نقطة يستطيع الجيش استخدامها بقوة أمام المجتمع الدولي.

النقطة الأقوى سياسيًا: عدم قبول الالتزام الأحادي

البيان يضع معادلة واضحة: في مقابل ما نفذه الجيش، هناك نحو 7700 خرق إسرائيلي منذ توقيع اتفاق الإطار في 26 حزيران، إضافة إلى إطلاق النار بالقرب من عناصر الجيش ودورياته.

وهنا ينتقل البيان من المجال العسكري إلى المجال السياسي.

فالرسالة ليست فقط أن إسرائيل تخرق، بل أن استمرار هذه الخروقات يجعل مطالبة الجيش بمواصلة تنفيذ التزاماته من دون معالجة الطرف الآخر لالتزاماته أمرًا غير متوازن.

وهذه ربما تكون أهم ورقة في البيان كله.

فالجيش، من خلال هذا المنطق، يحاول منع تحويل اتفاق الإطار إلى مسار يقوم على تنفيذ لبنان لما عليه، بينما تبقى إسرائيل قادرة على تعطيل البيئة التي يفترض أن يتم التنفيذ فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن تأكيد قيادة الجيش أن وقف الاعتداءات والخروقات هو العامل الأساسي لاستكمال الانتشار وتنفيذ المهام ليس تفصيلًا في خاتمة البيان، بل هو الخلاصة السياسية للبيان كله.

لكن ماذا عليه سياسيًا؟

هنا تبدأ المشكلة.

فالجيش مؤسسة عسكرية، ومكمن قوته الأساسية هو أن يتحدث من موقع المؤسسة التي تنفذ قرار الدولة، لا من موقع طرف سياسي يعيد رسم شروط الاتفاق.

صحيح أن البيان لم يعلن التخلي عن اتفاق الإطار، ولم يعلن انسحاب الجيش من الجنوب، ولم يقل صراحة إنه سيوقف كل عمليات الانتشار. بل ربط استكمال المهمة بوقف الاعتداءات والخروقات. وهذه صياغة أكثر حذرًا من إعلان «تجميد» الاتفاق أو الانسحاب منه.

لكن سياسيًا، يمكن أن يُفهم الموقف على أنه تعليق لاستكمال المسار من جانب واحد إلى أن ينفذ الطرف الآخر ما عليه.

وهنا تكمن المعضلة.

فإذا كان الهدف هو الضغط على إسرائيل، فالخطوة تمنح الجيش ورقة تفاوضية. أما إذا نجحت إسرائيل في تحويلها إلى رواية تقول إن الجيش اللبناني غير قادر على استكمال الاتفاق، فقد تنقلب الورقة على المؤسسة نفسها.

الجيش يربح الداخل… لكنه يدخل مساحة سياسية أكثر حساسية

داخليًا، البيان مفيد جدًا للجيش.

فهو يرد مسبقًا على أي اتهام له بالتقصير في تنفيذ الاتفاق، ويقدم أرقامًا وتفاصيل تثبت حجم ما أنجزه. كما أنه يضع مسؤولية تعثر الاستقرار في الجنوب في سياق أوسع من قدرة الجيش وحده على السيطرة.

والأهم أن البيان لا يدخل في سجال سياسي داخلي حول السلاح، ولا يوجه الاتهام إلى أي طرف لبناني. تركيزه الأساسي على الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية.

وهذا يمنحه هامشًا واسعًا في الداخل.

لكن في الخارج، تصبح المعادلة أصعب.

فالجهات الدولية التي تدعم انتشار الجيش وحصر السلاح بيد الدولة قد تقول للجيش: نعم، هناك خروقات إسرائيلية، لكن مهمتك تبقى قائمة. وهنا سيكون على المؤسسة العسكرية أن تثبت أن ربط استكمال مهمتها بوقف الخروقات ليس تراجعًا عن الالتزام، بل دفاع عن شروط نجاحه.

أخطر ما في البيان: تحويل الجيش إلى طرف في معادلة الضغط

هذه هي النقطة التي تستحق أكبر قدر من النقاش.

هل يستطيع الجيش أن يكون أداة ضغط على المجتمع الدولي من دون أن يتحول إلى طرف سياسي في النزاع؟

البيان يقترب من هذه المنطقة عندما يربط بصورة مباشرة بين استمرار الخروقات وبين ضرب مصداقية الجيش أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي. وهو بذلك لا يكتفي بوصف الخروقات، بل يحدد لها نتيجة سياسية تتعلق بموقع المؤسسة العسكرية وسمعتها.

لكن يمكن النظر إلى الأمر من زاوية أخرى أكثر إيجابية: ربما يكون الجيش قد أدرك أن الضغط السياسي هو جزء من المعركة على شروط الانتشار، وأن الصمت عن الخروقات قد يؤدي عمليًا إلى تحميله وحده مسؤولية نتائج اتفاق لا يملك جميع أدوات تنفيذه.

وهنا يصبح البيان محاولة لحماية الجيش من أن يتحول إلى «الطرف الذي ينفذ» بينما يتحمل وحده نتائج عدم التنفيذ.

الجيش بين الدور العسكري والوظيفة السياسية

المعادلة الأكثر دقة هي أن الجيش لا يريد أن يتحول إلى مؤسسة سياسية، لكنه لم يعد يستطيع تجاهل النتائج السياسية المباشرة لما يجري على الأرض.

فالانتشار العسكري في الجنوب ليس عملية تقنية منفصلة عن الصراع السياسي. كل حاجز ونقطة مراقبة ودورية ومصادرة سلاح هي ترجمة عملية لقرار الدولة باستعادة سلطتها، وكل اعتداء إسرائيلي يعرقل هذه العملية ينعكس على موقع الدولة والجيش معًا.

ومن هنا، فإن البيان يحاول رسم حدود جديدة: الجيش مستعد لتنفيذ مهمته، لكنه ليس مستعدًا لتحمل وحده نتائج انهيار الشروط التي تسمح له بتنفيذها.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد البيان

إذا تمكن لبنان من تحويل البيان إلى ضغط دولي فعلي على إسرائيل لوقف الخروقات، يكون الجيش قد حقق مكسبًا سياسيًا من دون أن يدفع ثمنًا عسكريًا.

أما إذا بقيت الخروقات واستمر في المقابل تجميد استكمال الانتشار، فقد يدخل المسار في حلقة مفرغة: إسرائيل تواصل عملياتها، والجيش يربط استكمال مهمته بوقفها، والمجتمع الدولي يطالب الطرفين بالالتزام، فيما يبقى الجنوب عالقًا بين الترتيبات السياسية والوقائع العسكرية.

ومن هنا، فإن الاختبار ليس في البيان نفسه، بل في قدرة الدولة اللبنانية على تحويل ما ورد فيه إلى مسار دبلوماسي ضاغط.

فالجيش يستطيع أن يقول إنه نفذ، لكنه لا يستطيع وحده أن يفرض على إسرائيل التوقف، ولا أن يضمن التزام المجتمع الدولي. وهذه هي حدود الورقة التي استخدمها اليوم.

المقال السابق
بيان قيادة الجيش اللبناني عن دوره في جنوب لبنان
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

السلطة السياسية لم تتحدث مطلقاً عن قرار الجيش اللبناني الجنوبي... تابعوا كيف تجنبت كل ذكر له؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية