"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

برّ الوالدين.. جدل يعيد تعريف علاقة الأهل بالأبناء

كريستين نمر
الأحد، 31 مايو 2026

برّ الوالدين.. جدل يعيد تعريف علاقة الأهل بالأبناء

في كثير من المجتمعات العربية، ينشأ الناس على أمثال شعبية تختصر العلاقة بين الأهل والأبناء ضمن منطق “الوفاء والدَّين”. من بين هذه الأمثال عبارة لبنانية شائعة تقول: “جبنا ولد لآخرتنا، قام جبلنا آخرتنا”، في إشارة إلى أن الأبناء يُفترض أن يكونوا سندًا لوالديهم في الكِبر، وأن يردّوا لاحقًا جزءًا مما قُدّم لهم من تعب رعاية وتضحيات.

هذا المفهوم متجذّر في الثقافة الاجتماعية بدرجات متفاوتة، حيث لا يُنظر إلى الإنجاب فقط كقرار عاطفي أو أسري، بل أحيانًا كنوع من “الاستثمار الاجتماعي غير المعلن”.

لكن هل يمكن اختزال الإنجاب في فكرة “الاستثمار العاطفي” أو “الواجب المستقبلي”؟ أم أن المسألة أعمق من ذلك؟ وهل الأبناء مدينون فعلًا لوالديهم بمجرد أنهم وُلدوا؟

تجدّد هذا النقاش بعد تداول تصريح لرجل الأعمال الأميركي مايك مابلز قال فيه: “أولادي لا يدينون لي بشيء، أنا من اخترت إنجابهم”. عبارة قصيرة لكنها فتحت بابًا واسعًا للنقاش، لأنها أعادت طرح العلاقة بين الأهل والأبناء من زاوية مختلفة: زاوية المسؤولية غير المشروطة.

فالأطفال، ببساطة، لم يختاروا أهلهم ولا حياتهم، ولا البيئة التي جاءوا إليها ولا ظروفها، لذلك يرى هذا الطرح أن مسؤولية الأهل لا يجب أن تكون مشروطة بردّ الجميل أو انتظار المقابل، بل قائمة على العطاء غير المشروط: الحب، الرعاية، الحماية، والدعم النفسي والمعنوي.

والأمومة والأبوة ليست وظيفة قائمة على التضحية الصامتة فقط، ولا عقدًا غير مكتوب يفرض على الأبناء تسديد “فاتورة العمر” لاحقًا. إنما بالحقيقية قد تكون، قبل أي شيء، القدرة على منح طفل شعورًا بالأمان والحب من دون تحميله عبء الامتنان الدائم أو الشعور بالذنب.

هذا لا يعني التقليل من قيمة البرّ أو الوفاء أو التضامن العائلي، وهي قيم راسخة في مجتمعاتنا، فهي غالبًا ما تنشأ طبيعيًا داخل علاقة صحية قائمة على الحب والاحترام. غير أن الفرق يبقى كبيرًا بين علاقة طوعية نابعة من الامتنان، وبين شعور مفروض بالالتزام أو الذنب.

إلا أنّ الإشكالية تبدأ عندما يتحوّل الإنجاب، في بعض الحالات، إلى وسيلة غير مباشرة لضمان الدعم في الكِبر، أو عندما يُنظر إلى الأبناء كامتداد للوالدين لا كأشخاص مستقلين لهم حياتهم وخياراتهم ومساراتهم الخاصة.

في المقابل، يؤكد كثيرون أن الترابط بين الأجيال ليس “صفقة” ولا “دَينًا”، بل هو جزء من بنية اجتماعية وأخلاقية تقوم على التكافل الطبيعي، حيث يعتني الأبناء بوالديهم بدافع الحب والوفاء، لا لأنهم مجبرون على تسديد حساب غير مكتوب.

وربما ما تحتاجه هذه العلاقة ليس القطيعة بين مفهوم “الواجب” و”الحبّ”، بل إعادة التوازن بينهما، بحيث لا يتحوّل الحب إلى ضغط، ولا الواجب إلى عبء نفسي دائم.

وفي النهاية، فإن الأمومة والأبوة ليست صفقة، بل من أعمق العلاقات الإنسانية وأكثرها تعقيدًا. وما بين التضحية والحرية، والعطاء والانتظار، تبقى هذه العلاقة جديرة بأن تتحرّر من الصورة المثالية القاسية التي تفرض عليها التضحية بلا حدود، وتنتظر في المقابل أبناءً يحملون عبء الشيخوخة والخوف والوحدة، لأنها علاقة يبقى أساسها الحب… لا الدَّين.

المقال السابق
بزشكيان ينتقد حصر القرار: يجب إشراك النخب والأكاديميين في رسم سياسات إيران
كريستين نمر

كريستين نمر

محرّرة وكاتبة

مقالات ذات صلة

بعد أكثر من عقد على اختفائهم.. سوريا تكشف مصير أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية