بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 واتساع رقعة المواجهات على أكثر من جبهة، لا تبدو الخسائر الإسرائيلية مقتصرة على القتلى والجرحى في ساحات القتال، بل تتجاوزها إلى أزمة نفسية متنامية داخل المؤسسة العسكرية، باتت تفرض نفسها كأحد أكبر التحديات التي تواجه الدولة العبرية في السنوات المقبلة.
فالتقديرات الرسمية الإسرائيلية تشير إلى أن عدد الجنود الجرحى سيتجاوز 100 ألف بحلول عام 2028، وهو رقم جرى تقديم موعد بلوغه عامين كاملين مقارنة بتقديرات سابقة كانت ترجّح الوصول إليه بحلول عام 2030. ويعكس هذا التعديل حجم الاستنزاف الذي فرضته الحرب المستمرة، ولا سيما على الجبهة اللبنانية، حيث ارتفعت أعداد الإصابات بشكل ملحوظ.
لكن الأرقام الأكثر إثارة للقلق تتعلق بالصحة النفسية. فبحسب المعطيات الرسمية، يشكل الجنود الذين يعانون من اضطرابات نفسية نحو نصف المتقدمين بطلبات الحصول على الدعم والتعويضات، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 15 في المئة في الحروب السابقة. ويعني ذلك أن الحرب الحالية خلّفت تحولاً نوعياً في طبيعة الإصابات، حيث باتت الجروح النفسية تنافس الإصابات الجسدية، بل تتفوق عليها في بعض الأحيان.
هذا الواقع دفع لجنة حكومية مشتركة من وزارتي الدفاع والمالية إلى الدعوة لإنشاء هيئة مستقلة تتولى إدارة ملف الجنود المصابين نفسياً، وفي مقدمتهم المصابون باضطراب ما بعد الصدمة. وترى اللجنة أن البنية الإدارية الحالية لم تعد قادرة على التعامل مع عشرات آلاف الحالات المتراكمة، ما يستوجب آلية أكثر مرونة واستقلالية بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية.
وتتوقع اللجنة أن تتطلب مواجهة الأزمة إنفاقاً إضافياً بمليارات الشواكل سنوياً، بعدما تضاعفت الميزانيات المخصصة لهذا الملف من نحو 5 مليارات شيكل إلى 10 مليارات بين عامي 2023 و2026. كما أوصت بتوسيع خدمات العلاج النفسي، وتأمين جلسات علاج أسبوعية للمتضررين، وإنشاء مراكز متخصصة لمتابعة المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتسريع إجراءات التشخيص والاعتراف بالحالات.
وتعكس هذه الخطوات إدراكاً متزايداً داخل إسرائيل بأن تداعيات الحرب لن تنتهي بانتهاء المعارك العسكرية، بل ستستمر لسنوات طويلة عبر الآثار النفسية والاجتماعية التي خلّفتها لدى آلاف الجنود. فبينما تتواصل المواجهات على الأرض، تبدو المؤسسة العسكرية أمام معركة أخرى أكثر تعقيداً، عنوانها إعادة تأهيل جيل كامل من الجنود الذين حملوا معهم من ساحات القتال ندوبا ً لا تُرى بالعين المجردة، لكنها قد تبقى حاضرة لعقود.
