لا يبدو وضع مجسّم للرئيس الأميركي دونالد ترامب داخل زنزانة في ساحة تجريش شمال طهران مجرّد مشهد ساخر، بل يمكن قراءته بوصفه رسالة سياسية ونفسية تختصر جانبًا من الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة.
فحين تضع عاصمة دولة خصمها خلف القضبان رمزيًا، يبرز السؤال: هل الغاية هي شدّ عصب شعبها، أم تعبير عن غضب مكبوت، أم هي محاولة تعويض ما لم يتحقق في الواقع؟
فشّة خلق جماعية
من منظور علم النفس السياسي، قد يشكّل المشهد وسيلة لتنفيس الغضب وتحويل مشاعر الخوف أو العجز إلى صورة تمنح الجمهور شعورًا مؤقتًا بالسيطرة. فبدل أن يظهر الخصم قويًا ومهدِّدًا، يحوّلونه إلى أسير مثير للسخرية.
إذلال الخصم… سلاح دعائي
الزنزانة رمز للعقاب وفقدان الحرية. ووضع ترامب خلف القضبان يهدف إلى تجريده رمزيًا من الهيبة التي يمثلها منصبه، وإظهار أن صاحب القرار الذي يمارس الضغط على إيران يمكن أن يصبح، في الرواية الإيرانية، متهمًا يستحق العقاب.
وتشير دراسة منشورة في مجلة Frontiers in Psychology بعنوان «الضحك المُرّ: حين يصبح التهكّم محفّزًا أخلاقيًا وعاطفيًا في الإقناع السياسي» إلى أنّ المحاكاة الساخرة قد تؤثر في مشاعر الجمهور وتقييمه للسياسي المستهدف، وتُستخدم وسيلةً للنيل من صورته وتقويض جاذبيته السياسية”.
ولكن هل يعني ذلك اعتراف ولو ضمني بالعجز؟
قد تبدو هذه المشاهد محاولة لتحقيق انتصار رمزي عندما يصعب ضمان انتصار سياسي أو عسكري كامل. فما لا تستطيع الدولة فرضه في الواقع، تستطيع عرضه في صورة: خصم مهزوم، خلف القضبان، خاضع للعقاب.
لكن لا يمكن الجزم بأن المجسّم دليل على ضعف إيران أو اعترافها بالعجز، فالدعاية وحدها لا تكشف ميزان القوة الحقيقي، ولا تسمح باستنتاج الحالة النفسية لصانعي القرار.
تهديد أم فشّة خلق؟
قد يجمع المشهد بين التنفيس النفسي والرسالة السياسية؛ فهو يتيح للجمهور التعبير عن غضبه، ويقدّم ترامب رمزيًا بوصفه خصمًا يستحق المحاسبة. أما عبارة «هذه المرة سنقتلك» التي أطلقها أحد المارة، فتعكس نبرة تصعيدية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود تهديد رسمي أو قرار فعلي بالاغتيال.
لكن المفارقة أنّ محاولة إذلال الخصم قد تؤكد، في الوقت نفسه، مدى حضوره وأهميته. فترامب، الذي يظهر سجينًا في المجسّم، يبقى الشخصية الرئيسية في مشهد اختارت طهران أن تعرضه على جمهورها. وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا تحتاج الدول، في أوقات الصراع، إلى صناعة انتصارات رمزية على خصومها.
من هنا، فإنّ وضع ترامب خلف القضبان في ط هران قد يكون فشّة خلق ورسالة تهديد رمزية ومحاولة لتسجيل انتصار دعائي، لكنه ليس دليلًا حاسمًا على القوة أو الضعف. فهناك فارق كبير بين سجن الخصم في صورة، وامتلاك القدرة الفعلية على فرض الإرادة عليه.
